اقتصاد تحت الضغط.. أسواق غزة بين الاحتكار وغياب الرقابة

الرسالة نت - خاص

تعيش أسواق قطاع غزة في المرحلة الراهنة واحدة من أخطر الأزمات الاقتصادية والإنسانية التي انعكست بشكل مباشر على حياة المواطنين اليومية، حيث باتت الفوضى السمة الغالبة على حركة البيع والشراء، وسط غياب الاستقرار في الأسعار وتراجع جودة السلع المعروضة، وازدياد انتشار البضائع منتهية الصلاحية أو القريبة من الانتهاء.

هذه الحالة لا يمكن فصلها عن واقع الحصار والسياسات التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي، والتي لم تكتفِ بتقييد حركة الأفراد، بل امتدت لتشمل التحكم الكامل في دورة الاقتصاد، بدءا من المعابر وصولاً إلى تفاصيل السوق المحلي.

لم تأتِ هذه الفوضى نتيجة خلل عابر أو ظرف طارئ، بل تبدو وفق معطيات الواقع فوضى منظمة تُدار بشكل غير مباشر عبر آليات إدخال البضائع وتنسيق الشاحنات، حيث يسمح بدخول سلع محددة بكميات غير متوازنة وتوقيت غير مناسب، ما يؤدي إلى إغراق السوق بأصناف فاقدة للجودة أو محدودة الصلاحية.

وفي ظل ضعف الإمكانيات الرقابية واتساع رقعة الاحتياج، يجد المستهلك نفسه مضطرا للشراء دون ضمانات حقيقية لسلامة ما يستهلكه.

مؤشرات كارثية
وتزداد خطورة المشهد مع ما خلفته الحرب من تدهور اقتصادي واسع، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، الأمر الذي جعل المواطن أكثر هشاشة أمام الاستغلال، وأقل قدرة على المقاطعة أو الاختيار.

وبين مطرقة الغلاء وسندان الحاجة، تحولت الأسواق إلى مساحة مفتوحة للفوضى، يدفع ثمنها المواطن أولاً وأخيراً.
ويسيطر الاحتلال على تفاصيل إدخال البضائع إلى قطاع غزة، ويحتجز الشاحنات لفترات طويلة على المعابر، ما يؤثر بشكل مباشر على جودة السلع، خاصة المواد الغذائية الحساسة التي تحتاج إلى تبريد وشروط نقل خاصة.

هذا التأخير المتعمد يؤدي إلى تقليص العمر الافتراضي للبضائع، لتصل إلى الأسواق وهي على وشك الانتهاء أو منتهية الصلاحية فعليًا، الأمر الذي يفسر الانتشار الواسع لمثل هذه الأصناف في المحال التجارية.

ويؤكد اقتصاديون أن هذه السياسة ليست عشوائية، بل تُستخدم كأداة ضغط إضافية على المجتمع الفلسطيني، عبر ضرب أمنه الغذائي وصحته العامة.

وعلى صعيد التسعير، يعاني السوق من خلل واضح نتيجة آلية تنسيق دخول الشاحنات، التي تتم بعيدا عن أي إطار قانوني أو رقابي فلسطيني.

هذا التنسيق غير القانوني يخلق حالة من الشح المصطنع، فيبقي الأسعار مرتفعة حتى في ظل توفر فائض من بعض السلع.

ومع غياب المنافسة الحقيقية، وعدم وضوح التكلفة الفعلية للاستيراد، تفرض الأسعار على المستهلك دون ضوابط، في وقت تتآكل فيه القدرة الشرائية للمواطن بشكل غير مسبوق.

في هذا الواقع المعقد، يجد التاجر نفسه محاصرا بخيارات محدودة، حيث يضطر في كثير من الأحيان لإدخال مواد شديدة الحساسية قريبة من الانتهاء أو منتهية الصلاحية، تفاديا للخسارة الكاملة.

ويعد السوق الغزي، بسبب ضعف الرقابة واتساع الحاجة، سوقا مناسبا لتصريف هذه البضائع، خاصة في ظل غياب بدائل حقيقية لدى المستهلك.

ولا يعني ذلك تبرئة جميع التجار، إلا أن المشهد العام يعكس خللا بنيويا في منظومة الاستيراد والتوزيع، تتحمل مسؤوليته جهات متعددة.

ويضاف إلى ذلك دخول كميات كبيرة من البضائع دون أي وسم أو بيانات تعريفية، فلا تاريخ إنتاج واضح، ولا تاريخ انتهاء، ولا بلد منشأ، ما يحرم المستهلك من حقه الأساسي في المعرفة، ويصعّب مهمة الجهات المختصة في تتبع هذه السلع أو محاسبة المسؤولين عن إدخالها.
هذا الغياب للمعلومات يشكل بيئة خصبة لتداول بضائع غير مطابقة للمواصفات الفلسطينية، ويضاعف المخاطر الصحية.

كما يبرز عامل خطير يتمثل في احتكار الاحتلال إدخال البضائع لتجار محددين، يعملون خارج إطار الغرفة التجارية ووزارة الاقتصاد، ولا يلتزمون بالقوانين والأنظمة الناظمة.

هؤلاء التجار يفرضون شروطهم الخاصة، ويتحكمون بالكميات والأسعار، ويعملون وفق أهوائهم، ما يعمّق الفوضى ويقوض أي محاولة لتنظيم السوق أو تحقيق العدالة التجارية.

مشاكل في البيع
من جانبه، يقول البائع في سوق الصحابة بمدينة غزة، رباح حلمي إن البائع في غزة أصبح الحلقة الأضعف في سلسلة معقدة من القيود، موضحا أن كثيرا من البضائع تصل بعد انتظار طويل على المعابر، ما يجعل صلاحيتها محدودة جدا، ويضع التاجر أمام خيارين قاسيين: إما الخسارة، أو بيع بضاعة لا ترقى لمعايير السلامة الكاملة.
ويضيف أن الواقع الحالي لا يشجع على الالتزام، في ظل غياب بيئة تجارية عادلة.

وفي رأيه، يؤكد حلمي أن احتكار إدخال البضائع لتجار بعينهم خلق حالة من الظلم داخل السوق، حيث يُحرم صغار التجار من فرص الاستيراد، بينما يُترك المجال لفئة محدودة تتحكم بمصير السوق دون مساءلة حقيقية. ويرى أن هذا الوضع يضر بالاقتصاد المحلي ويزيد من حالة الاحتقان بين التجار والمستهلكين.

ويختم حلمي بالقول إن الحل لا يكمن فقط في تشديد الرقابة على الأسواق، بل في معالجة أصل المشكلة المتمثل في سيطرة الاحتلال على المعابر، وضرورة إيجاد آلية وطنية شفافة لتنظيم دخول البضائع، تحمي صحة المواطن وحقوق التاجر الملتزم في آن واحد.

تنظيم السوق
في هذا السياق، أصدرت وزارة الاقتصاد الوطني بيانا أكدت فيه أنها، وفي إطار تنظيم السوق المحلي في مرحلة ما بعد الحرب وحرصا على المصلحة العامة وحماية المستهلك، وبالتعاون مع مباحث التموين، تشدد على ضرورة التزام جميع التجار بأحكام القوانين واللوائح والقرارات الناظمة، والامتناع الفوري عن عرض أو تداول أي سلع تموينية منتهية الصلاحية حسب المواصفة الفلسطينية، أو يظهر عليها علامات تلف أو فساد قد يعرّض صحة المواطن للخطر، أو يتم حفظها وتخزينها وعرضها بطرق غير صحيحة أو مخالفة لشروط السلامة، إضافة إلى منع استغلال حاجة المواطنين والبيع بأسعار مرتفعة، ووجوب إشهار السعر على كل سلعة.

وأكدت الوزارة أن هذه الممارسات تعد مخالفات جسيمة واستغلالا لحاجة المواطنين، وسيعاقب مرتكبوها وفق أحكام القانون دون أي تهاون، داعية المواطنين إلى التحلي بالوعي والمسؤولية عند الشراء، من خلال التأكد من تاريخ الإنتاج وسريان الصلاحية، وفحص العبوة وسلامتها، وعدم الانجرار وراء العروض المضللة.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من الاقتصاد