لم تعد الأزمة الإنسانية في قطاع غزة، مجرد أرقام أو تقارير أممية، بل واقع يومي يعيشه أكثر من مليوني إنسان يواجهون الجوع والعطش وانعدام المأوى، في ظل شح غير مسبوق في المساعدات الإنسانية.
ومع استمرار إغلاق المعابر والقيود المفروضة على إدخال الإغاثة تتسع الفجوة بين الاحتياجات المتزايدة للسكان والاستجابة المحدودة على الأرض.
ورغم وجود بروتوكول إنساني واتفاقات واضحة تنص على إدخال كميات كافية من الغذاء والدواء والوقود ومواد الإيواء، إلا أن إسرائيل لا تزال بحسب الجهات الرسمية والأممية، غير ملتزمة بالحد الأدنى من هذه التفاهمات، ما يجعل حياة المدنيين رهينة للانتظار والمعاناة.
وفي شمال القطاع وجنوبه، تتشابه القصص وتتكرر المآسي، عائلات بلا مأوى وأطفال بلا غذاء كافٍ ومرضى بلا دواء وبنية تحتية شبه مشلولة.
وبينما تتحدث التقارير الدولية عن عوائق لوجستية، يؤكد المواطنون أن الثمن يدفع من حياتهم اليومية وكرامتهم الإنسانية.
معاناة مستمرة
ويختصر المواطن خميس الفرام، من شمال غزة، المشهد الإنساني القاسي بكلمات مثقلة بالتعب، يقول: "نحن نعيش حياة لا تشبه الحياة، المساعدات شحيحة جدا وإن وصلت فهي لا تكفي شيئا، أحيانا ننتظر أياما طويلة من أجل كيس طحين أو بعض المعلبات، وفي كثير من الأحيان نعود خاليي الوفاض".
ويضيف الفرام: "أزمة الإيواء لا تقل قسوة عن الجوع، بيوتنا دُمرت ولا توجد خيام ولا كرفانات، نعيش في العراء أو في بقايا منازل مهدمة، في برد قارس وأمطار، دون أي مقومات للحياة، الأطفال يمرضون باستمرار ولا نجد دواء أو حتى وسيلة للوصول إلى مركز صحي".
ويتابع: "الوضع المعيشي كارثي بكل معنى الكلمة، لا عمل ولا دخل والأسعار إن وُجدت السلع فهي خيالية، نشعر أننا تركنا لمصيرنا، وكأن العالم اعتاد على مشاهد معاناتنا".
من جهته، أكد مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (أوتشا) أن نقص الوقود وإغلاق الطرق يعيقان بشكل كبير وتيرة الاستجابة الإنسانية في قطاع غزة، ويتسببان في تأخير وصول المساعدات وارتفاع كلفتها.
وقال المكتب إنه رغم استئناف شحنات الوقود إلى القطاع، إلا أن القيود المستمرة على الوصول، والازدحام والفجوات في قدرات التخزين، ما تزال تشكل عوائق رئيسية أمام العمل الإنساني، وتحدّ من القدرة على تلبية الاحتياجات المتزايدة للسكان.
وأشار "أوتشا" إلى أن شركاء الأمم المتحدة تمكنوا، وللمرة الأولى منذ أكتوبر 2023، من استئناف توزيع حصص الغذاء الشهرية، حيث جرى إيصال المساعدات إلى نحو 100 ألف شخص فقط، في حين أن الاحتياج يشمل أضعاف هذا الرقم.
وفي السياق الصحي، ذكر التقرير أنه منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، أُعيد تفعيل 35 نقطة لتقديم الخدمات الصحية إلى جانب إنشاء 25 نقطة جديدة من بينها 12 مركز رعاية صحية أولية، تركز معظمها في شمال قطاع غزة، في محاولة للتخفيف من الانهيار الصحي.
كما أفاد المكتب بتوسيع مساحات التعلم المؤقتة لتصل إلى 424 موقعا في مختلف أنحاء القطاع، في مسعى للحفاظ على الحد الأدنى من العملية التعليمية في ظل ظروف إنسانية بالغة الصعوبة.
أرقام تكشف العجز
بدوره، أكد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، أن جيش الاحتلال لم يلتزم بالحد الأدنى من كميات المساعدات المتفق عليها.
ووفقا لبياناته، لم يدخل إلى قطاع غزة خلال 80 يوما سوى 19,764 شاحنة مساعدات، من أصل 48 ألف شاحنة كان يفترض إدخالها، بمتوسط يومي 253 شاحنة فقط من أصل 600 شاحنة مقررة، أي بنسبة التزام لا تتجاوز 42%.
وأشار المكتب إلى استمرار النقص الحاد في الغذاء والدواء والمياه والوقود، ما يعمق مستوى الأزمة الإنسانية الكارثية في القطاع.
وفيما يتعلق بالوقود، أوضح التقرير أن شحنات الوقود الواردة لم تتجاوز 425 شاحنة من أصل 4 آلاف شاحنة كان يفترض دخولها خلال الفترة ذاتها، بنسبة التزام تقارب 10% فقط.
وأكد أن هذه الأرقام تُبقي المستشفيات والمخابز ومحطات المياه والصرف الصحي في حالة شبه شلل، وتضاعف معاناة السكان المدنيين، خاصة الفئات الأكثر هشاشة من أطفال ومرضى وكبار سن.
وفي قطاع الإيواء، حذر المكتب الإعلامي من تفاقم أزمة إنسانية عميقة وغير مسبوقة، في ظل إصرار الاحتلال على إغلاق المعابر ومنع إدخال الخيام والبيوت المتنقلة والكرفانات ومواد الإيواء، في انتهاك صارخ لبنود الاتفاق وللقانون الدولي الإنساني.
هذه السياسة، بحسب مختصين، لا تعني فقط حرمان النازحين من المأوى، بل تعريضهم لمخاطر صحية وأمنية جسيمة، خاصة مع حلول فصل الشتاء واستمرار الدمار الواسع.
ومنذ السابع من أكتوبر 2023، ارتكبت إسرائيل، بدعم أميركي وأوروبي، إبادة جماعية في قطاع غزة، شملت القتل والتجويع والتدمير والتهجير والاعتقال، متجاهلة النداءات الدولية وأوامر محكمة العدل الدولية بوقفها.
وأسفرت هذه الإبادة عن أكثر من 242 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، معظمهم من الأطفال والنساء، إضافة إلى أكثر من 11 ألف مفقود، ومئات آلاف النازحين، ومجاعة أزهقت أرواح كثيرين، فضلا عن دمار شامل طال معظم مدن ومناطق القطاع.