منذ بداية 2025، تصاعدت وتيرة القمع والتهجير في الضفة الغربية وغزة، في ظل تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية والاغتيالات اليومية، وتوسّع الاستهداف ضد المدنيين والمؤسسات الإنسانية. شهدت الضفة عمليات عسكرية مكثفة وهدمًا واسعًا للمنازل، ما أدى إلى نزوح آلاف الفلسطينيين من مخيمات ومناطق متعددة، بينما استمرت الغارات على غزة مع خسائر بشرية كبيرة، بما فيها من يسعون للمساعدات. وفي الوقت نفسه، تعززت المقاومة بأشكال جديدة، بين صمود يومي وحماية للقرى، رغم تشظي المشهد الفلسطيني وغياب قيادة موحدة، وسط بيئة إقليمية متغيرة وتسارع التطبيع.
منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، دخلت الضفة الغربية مرحلة جديدة من التوتر والتصعيد، اتسمت بتغيّرات ملموسة في شكل المقاومة وحدودها، مقابل تشديد غير مسبوق في القبضة الأمنية الإسرائيلية.
وبين من يرى تصاعدًا نوعيًا في الفعل المقاوم، ومن يعتبر أن المشهد لم يصل إلى مستوى انتفاضة شاملة، تتعدد القراءات والتحليلات حول طبيعة المرحلة واتجاهاتها.
محدودة لكن متواصلة
يرى كتاب ومحللون أن المقاومة في الضفة الغربية باتت أكثر انتشارًا من حيث الجغرافيا، لكنها أقل قدرة على التحول إلى موجة جماهيرية شاملة، في ظل غياب القيادة الموحدة، والانقسام السياسي الداخلي، إلى جانب الضغط الأمني الإسرائيلي المكثف.
ويصف بعضهم هذا الواقع بأنه “مقاومة استنزاف”، تعتمد على مجموعات صغيرة وعمليات محدودة، مشيرين إلى أن الاحتلال نجح – حتى الآن – في منع تشكّل بنية تنظيمية واسعة، لكنه فشل في إنهاء الدافع الشعبي للمقاومة.
في هذا السياق، قال المحلل السياسي عادل شديد، في مقابلة مع الرسالة نت، إن واقع المقاومة في الضفة الغربية يشهد تراجعًا واضحًا، معتبرًا أن ما يجري حاليًا يندرج في إطار “صمود المواطن في بيته وأرضه”، أكثر من كونه مقاومة فاعلة قادرة على إحداث تغيير في موازين القوة.
وأضاف شديد أن هذا الشكل من الصمود، على أهميته، لا يمكن الجزم بكفايته لحماية الفلسطينيين في ظل تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية، لافتًا إلى أن الرأي العام في الضفة الغربية لم يعبّر حتى الآن عن موقف جامع وواضح في دعم المقاومة، رغم أن الضفة تتعرض لاعتداءات يومية تشمل مصادرة الأراضي، وارتفاع أعداد الشهداء، واعتداءات المستوطنين.
وأشار إلى أن من أبرز أسباب هذا التراجع ملاحقة المقاومة من مختلف الأطراف، إلى جانب أن السلطة الفلسطينية لا تضع خيار المقاومة المسلحة ضمن برنامجها السياسي، ما أسهم في إضعاف البيئة الحاضنة لها.
وتوقّع شديد أنه في حال استمرار اعتداءات الاحتلال والمستوطنين، وفشل استراتيجية السلطة الفلسطينية في إدارة المشهد، فإن انفجارًا شعبيًا قد يحدث، لكنه رجّح أن يكون قصير الأمد بسبب غياب قيادة مقاومة قادرة على تنظيمه وتحويله إلى حالة نضالية مستدامة.
تحوّل في أدوات المقاومة ووظيفتها
بيئة مولدة للمقاومة
في المقابل، يرى محللون آخرون أن السابع من أكتوبر فرض واقعًا جديدًا أعاد تعريف المقاومة في الضفة الغربية، بحيث لم تعد محصورة في العمليات العسكرية المباشرة، بل باتت فعلًا دفاعيًا يوميًا يرتبط بحماية القرى من هجمات المستوطنين، والتصدي للاقتحامات المتكررة، وتأمين الوجود الفلسطيني على الأرض.
ويشير هؤلاء إلى أن الاحتلال تعامل مع الضفة باعتبارها “جبهة محتملة يجب تحييدها”، من خلال تكثيف الحواجز، والاعتقالات، والاغتيالات، وهو ما قلّص هامش الحركة الميدانية، دون أن ينجح في إنهاء الفعل المقاوم أو القضاء على أسبابه.
وفي مقابلة معه، قال المحلل السياسي محمد جردات لـ الرسالة نت إن حالة واضحة من التشظي تسود المشهد الفلسطيني، خاصة في ظل أوضاع مخيمات النازحين والمطاردين، الذين تجاوز عددهم 40 ألفًا، مؤكدًا أن هذا الواقع يترك أثرًا مباشرًا على الحاضنة الشعبية.
وأوضح جردات أن دخول المنطقة المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى جانب العدوان المرتقب على إيران، وتصاعد وتيرة الاغتيالات اليومية في غزة وجنوب لبنان، والتوغلات المستمرة في الضفة الغربية، تعكس جميعها واقعًا شديد التعقيد والخطورة.
وبيّن جردات أن هذه التطورات تفرز حالة احتقان شعبي متزايد، في ظل المظلومية الثابتة للقضية الفلسطينية، التي أُعيد تفعيلها بقوة بعد السابع من أكتوبر، رغم الخسائر الكبيرة.
كما ويرى أن استمرار الظلم الواقع على الفلسطينيين يعزز خيار المقاومة في الضفة الغربية، بوصفه رد فعل طبيعيًا على السياسات الإسرائيلية القمعية.
وأضاف أن خطة ترامب، إلى جانب الجهود المتسارعة لتعزيز مسار التطبيع على المستويات السياسية والثقافية والاجتماعية، قد تشكّل عاملًا إضافيًا في تعميق حالة الخوف والرعب داخل المجتمع الفلسطيني، سواء في غزة أو الضفة، مؤكدًا أن هذه العوامل مجتمعة تتسابق في تعزيز دوافع المقاومة.
وختم جردات بالتأكيد على أن مستقبل المقاومة في الضفة الغربية يبقى مرهونًا بعوامل ميدانية حاسمة، أبرزها موقف السلطة الفلسطينية، وسياسات الاحتلال، ومستوى القمع المتواصل الذي تتعرض له قوى المقاومة في الضفة وقطاع غزة وكلها عوامل يمكن ان تؤدي للانفجار في أية لحظة.