إسرائيل تواصل إغلاق غزة في وجه الصحافة لإخفاء حرب الإبادة

الرسالة نت - خاص


منذ بدء حرب الإبادة في أكتوبر 2023، لا تزال إسرائيل تفرض حصارا إعلاميا خانقا على قطاع غزة، عبر منع الصحفيين الأجانب ووسائل الإعلام الدولية من الوصول المباشر إلى الميدان، في واحدة من أطول حالات الإغلاق الصحفي في النزاعات الحديثة.

هذا المنع لا يقتصر على إجراء إداري أو أمني عابر، بل يشكل سياسة ممنهجة تهدف إلى التحكم في السردية وتقييد تدفق المعلومات وحرمان العالم من رؤية ما جرى ويجري على أرض غزة.

وفي ظل حرب الإبادة التي شنّتها إسرائيل على القطاع والتي خلفت عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى ودمارا واسعا في البنية التحتية، بات غياب التغطية الدولية المستقلة عاملا حاسما في تشويه الحقيقة.

فبينما يواجه الصحفيون الفلسطينيون الاستهداف المباشر، يُمنع الصحفيون الأجانب من الدخول، ما يخلق فراغا إعلاميا متعمدا يسمح بتمرير الروايات الرسمية دون تدقيق أو مساءلة.

هذا الواقع أثار موجة إدانات واسعة من منظمات حقوقية ونقابات صحفية وهيئات قانونية دولية، رأت في هذا المنع انتهاكا صارخا لحرية الصحافة وحق الشعوب في المعرفة، ومحاولة واضحة لتغييب آثار حرب الإبادة عن الرأي العام العالمي، في وقت لا تزال تداعياتها الإنسانية حاضرة بقوة في حياة أكثر من 2.4 مليون فلسطيني محاصرين داخل القطاع.

تعتيم مستمر
وفي هذا السياق، وجه منتدى الإعلاميين الفلسطينيين مذكرة حقوقية عاجلة إلى 11 منظمة دولية من كبرى الهيئات الحقوقية والقانونية المدافعة عن حرية الصحافة حول العالم، مطالبا إياها بالتدخل الفوري للضغط على سلطات الاحتلال الإسرائيلي لرفع الحظر التعسفي المفروض على دخول الصحفيين الأجانب ووسائل الإعلام الدولية إلى قطاع غزة.

وأكد المنتدى أن استمرار هذا الحظر يشكل سابقة خطيرة في تاريخ الصراعات المعاصرة، ويقوض الأسس التي تقوم عليها الصحافة الحرة.

وضمت المراسلات منظمات دولية فاعلة، من بينها هيومن رايتس ووتش، ومنظمة العفو الدولية، والمنظمة العربية لحقوق الإنسان، وجمعية المحامين العرب في المملكة المتحدة، وشبكة العمل القانوني العالمية (GLAN)، والرابطة الدولية للمحامين الديمقراطيين، إضافة إلى منظمات أوروبية تضامنية وحقوقية.

ويعكس هذا التنوع حجم القلق الدولي المتصاعد إزاء سياسة الإغلاق الإعلامي التي تنتهجها إسرائيل.

وشدد المنتدى في مذكرته على أن تغييب التغطية الإعلامية المستقلة لا يمكن فصله عن محاولات طمس الحقائق وعرقلة توثيق الانتهاكات الجسيمة بحق المدنيين الفلسطينيين.

واعتبر أن منع الصحفيين الأجانب يهدف إلى خلق "تعتيم إعلامي شامل" يحول دون بناء ملفات قانونية متكاملة للمساءلة الدولية.

وأكد المنتدى أن هذا السلوك يمثل انتهاكا مباشرا للمادة (19) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وللعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، اللذين يكفلان الحق في حرية التعبير وتلقي ونقل المعلومات دون قيود.
كما حذر من أن استمرار هذا النهج يقوّض فرص العدالة ويشجع على الإفلات من العقاب.

تأجيل وتسويف

من جهتها، أكدت رابطة الصحافة الأجنبية في إسرائيل والأراضي الفلسطينية أنه لا توجد أي “مبررات أمنية” لاستمرار حظر وصول الصحفيين الأجانب إلى قطاع غزة.

وجاء هذا الموقف عقب قرار المحكمة العليا الإسرائيلية تأجيل البت مجددا في التماس قدّمته الرابطة للسماح للصحفيين بالدخول إلى القطاع المحاصر.

وأعربت الرابطة عن خيبة أملها البالغة من تكرار التأجيل، معتبرة أن ترحيل القرار من شهر إلى آخر يكرّس سياسة المنع المفتوح، ويمنح الحكومة الإسرائيلية غطاءً قانونيا شكليا للاستمرار في الإغلاق.

وأشارت إلى أن المحكمة تأثرت، على ما يبدو، بحجج أمنية سرية قُدّمت خلف أبواب مغلقة، دون تمكين محامي الرابطة من الاطلاع عليها أو دحضها.

وشددت الرابطة على أن هذه الإجراءات السرية تقوّض مبادئ العدالة والشفافية، وتمهد الطريق لاستمرار الإغلاق التعسفي لغزة أمام الصحفيين الأجانب.

وأكدت أن منع الوصول الحر لا يستند إلى أي مبررات حقيقية، بل يُستخدم كأداة سياسية للتحكم في المشهد الإعلامي.

في السياق ذاته، قال نقيب الصحفيين التونسيين زياد دبار إن منع الصحفيين من الوصول إلى غزة لا يهدف فقط إلى تقييد حرية الإعلام، بل يعد جزءا من جهد ممنهج لإخفاء حجم الفظائع والانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون والصحفيون الفلسطينيون.

وأضاف أن هذا المنع يكشف مدى التورّط في حجب الصورة الكاملة عن الجمهور العالمي.

وأوضح دبار أن ما يجري لا يمكن تبريره باعتبارات أمنية أو تنظيمية، بل يشكل تعتيما متعمدا على نقل الوقائع كما هي، ما يضر بجوهر العمل الصحفي القائم على نقل الحقيقة دون تحريف أو انتقاء.

وأكد أن حجب الصحافة الدولية يعني عمليًا ترك الرواية حكرًا على مصادر غير مستقلة.

ودعا نقيب الصحفيين التونسيين إلى فتح المجال أمام الصحفيين الأجانب دون قيود، حتى يتمكن العالم من رؤية الواقع في غزة كما هو، بعيدا عن الروايات المصفاة أو المجتزأة.

واعتبر أن كسر الحصار الإعلامي خطوة أساسية نحو تحقيق العدالة وإنصاف الضحايا.
وفي ظل استمرار منع الصحفيين الأجانب من دخول قطاع غزة، يتأكد يوما بعد الآخر أن المعركة لم تعد عسكرية فقط، بل إعلامية وقانونية وأخلاقية.

فالتعتيم ليس عرضا جانبيا للحرب، بل أداة مركزية لإخفاء آثارها، وإبعاد العدسات عن واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العصر الحديث.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من سياسي