مقال: التجنيد بالوهم

التجنيد بالوهم
التجنيد بالوهم

رشا فرحات

تذكّرتُ بالأمس، وأنا أشاهد حلقة «ما خفي أعظم»، قصة ابن العلقمي، وزير الدولة العباسية، الذي سلّم بغداد للمغول فسقطت الخلافة كما تسقط خرقة بالية. 

في يوم من أيام المغول خرج بين الناس بلا حرس ولا هيبة، وبالطبع دون المنصب الذي أوهمه المغول أنهم سيولّونه إياه إن ساعدهم على الوصول إلى الخليفة وقتله.

 عندها توقّفت امرأة من عامة الناس، نظرت إليه طويلًا، ثم قالت بمرارة ساخرة: «أهكذا كنتَ زمن الخلافة الإسلامية؟». لم تشتمه، لم تضربه، لم تحاكمه… فقط سحبت منه الوهم، بعد أن انتهى وحيدًا، بلا دولة، بلا حماية، وبلا قيمة، لأن مهمته انتهت.

وهذا أكثر ما لفتني في تحقيق تامر المسحال في برنامج «ما خفي أعظم»؛ ليس مشاهد التنفيذ ولا الاعترافات، بل طريقة التجنيد نفسها، تلك الطريقة التي لا تُهين الضحية فقط، بل تسخر من المُجنَّد قبل أن يُقتل أو يُلقى القبض عليه. 

الاحتلال، في هذا التحقيق، بدا كمن يقول بوضوح: لسنا بحاجة إلى ذكي، ولا إلى شجاع، ولا حتى إلى مدرَّب… نحتاج فقط إلى شخص يمكن التخلّص منه بسرعة.

منفّذ العملية جُنِّد قبل شهر واحد فقط. شهر! وقبل أيام معدودة من التنفيذ بدأ ما سُمّي «التدريب». أي تدريب هذا؟ 

 استخفاف كامل. الاحتلال يعرف أن هذا الشخص لن يعود، ولا يريد له أن يعود. لا يريده محترفًا، ولا ذكيًا، ولا ناجحًا بما يكفي ليطلب حماية أو يطرح أسئلة.

تبلغ السخرية ذروتها حين يُقنع ضابط المخابرات الإسرائيلي منفّذ العملية بأن تغيير ملامح وجهه سيتم عبر… بعض المكياج. نعم، مكياج. ثم يأتي المشهد الأكثر عبثية: عند أول مفترق طريق، يتعرّف عليه طفل من الحي. طفل!

 الاحتلال أوهم هذا الأحمق بأن المكياج سيخدع غزة كلها. هنا لا نتحدث عن فشل أمني معقّد، بل عن مسرحية هزلية بطلها شخص ظنّ أن عدوّه يخاف عليه، بينما العدو لم يمنحه حتى فرصة أن يبدو مقنعًا.

ثم نصل إلى اللحظة الكاشفة فعلًا: طوال طريقه إلى المكان المستهدف كان على اتصال وتوجيه كامل مع الاحتلال، ثم بعد تنفيذ العملية انقطع الاتصال. انتهى كل شيء. لا تعليمات، لا خطة انسحاب، لا محاولة إنقاذ. كأن الضابط الإسرائيلي قال له دون أن ينطق: «أنجزت المهمة؟ ممتاز. الآن اذهب إلى الجحيم». وهذا هو جوهر القصة.

إسرائيل لا تحمي عملاءها. لا تحميهم أمنيًا، ولا سياسيًا، ولا حتى أخلاقيًا إن صحّ التعبير. هي تستخدمهم كما تُستخدم المناديل الورقية: مرة واحدة، ثم إلى سلة المهملات. اللافت أن القبض على منفّذ العملية لم يحتج إلى قوات خاصة ولا مدرعات؛ الجيران أمسكوا به، بكل بساطة. تخيّلوا المشهد المعاكس: لو كان المنفّذ جنديًا إسرائيليًا، لتدخّلت طائرات الاحتلال كلها، ولأُحرق الحي بالكامل من أجل إنقاذه. 

وهنا السؤال الذي يجب أن يُطرح، بسخرية موجعة: كيف ما زالت هذه الميليشيات، وهؤلاء الأفراد، يصدقون أن الاحتلال سيحترمهم؟ احتلال قام على القتل والسرقة والغدر، هل سيتحوّل فجأة إلى شريك أخلاقي مع من باع أرضه؟ هل سيحمي من خان أهله؟

التحقيق لم يكشف خلية فحسب، بل كشف عقلية الاحتلال في التجنيد: جهل متعمّد، تدريب شكلي، وعود فارغة، ثم تخلٍّ كامل عند أول اختبار. الاحتلال لا يحتاج إلى عملاء أحياء، بل إلى أدوات مؤقتة. وإذا نجحت الأداة تُحرق، وإذا فشلت تُحرق أسرع. في النهاية، الاحتلال لا يقتلنا فقط بالصواريخ، بل يحاول أن يجعلنا نقتل أنفسنا، ثم يقف بعيدًا، ينفض يديه، ويبحث عن «ساذج» جديد.