في مشهدٍ ثقيل يختلط فيه الغبار بالصلاة، وقفت طواقم الدفاع المدني وعدد من أفراد العائلة والأقرباء حول ما تبقّى من أجساد أُخرجت من تحت الركام بعد عامٍ ونصف على رحيل أصحابها.
لم تكن الجنازة تقليدية؛ كانت محاولة متأخرة لمنح الوداع والكرامة لمن غيّبهم الدمار طويلًا.
اصطفّت عشرون كفنًا من عائلة أبو نصير إلى جانب بعضها. أكياس بيضاء ممدودة بدت — لشدة ما ضعف محتواها — كأنها فارغة. داخلها بقايا عظام تحللت أجساد أصحابها، وتفرّقت أجزاؤها بفعل الزمن والضغط والرطوبة.
عملية الفرز كانت الأصعب. العظام جُمعت قطعةً قطعة، ووضعت كل مجموعة على حدة. التعرف إلى أصحابها تحوّل إلى كابوس حقيقي لأقارب العائلة. بعض الأكياس كانت مسطّحة تمامًا، كأنها لا تحتوي شيئًا. عندها انفتح الجرح من جديد — جرح الفقد الأول، مضافًا إليه وجع التأخر .
وفي مشهد آخر جلس محمد الشوا بصمتٍ ثقيل. أمامه عظام عشرين شخصًا من أقاربه جُمعت دفعة واحدة. لم يكن هناك ما يدل على هوية أيٍّ منهم. بدأ يفرزها بيديه: عظمةً عظمة.
وضع الجماجم في سطرٍ ممتد بجانب بعضها البعض، ثم رتّب ما تبقى: عظام الأكتاف، الأذرع، الأقدام، والسيقان — إن بقي منها ما لم يذب أو يتفتت. مع كل جمجمة تُرفع، كان الألم يتجدد، دون اسمٍ يُنادى، ودون وجهٍ يُستعاد.
وفي موقعٍ قريب من الركام نفسه، عاد الناجي الوحيد عامر أبو الطرابيش إلى ما كان بيت عائلته.
تحت الأنقاض كانت أسرته كاملة: والداه، أخوه، أطفاله، عمّه وأبناء عمّه — أكثر من ثلاثين روحًا غابت دفعة واحدة. لم ينتظر معدات كافية ولا فرقًا مكتملة. بدأ بيديه.
كان يرفع الحجارة قطعةً قطعة، كأنه يزيح الزمن لا الركام. الغبار يملأ صدره، والذكريات تتزاحم في رأسه: ضحكات حول المائدة، أكواب شاي، خلافات صغيرة بين الأطفال، وصوت أمٍ تنادي من بعيد.
قال لاحقًا إن الأصعب لم يكن الحفر، بل لحظة التعرّف — لحظة أن تكتشف أن الوجه الذي تمسح عنه التراب لن يفتح عينيه مرة أخرى.
كان يتوقف أحيانًا، يضع كفّه على الحجارة، ويتمتم باعتذارٍ متأخر:“سامحوني أني تأخرت.”
بين الأكياس البيضاء وصفوف الجماجم المرتبة بعناية موجوعة، لم تكن تلك مجرد مراسم دفن، بل محاولة إنسانية أخيرة لإعادة الأسماء إلى أصحابها — ولو بعد عامٍ ونصف من الغياب؛ حين يُفتح الجرح من جديد.
منذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في أكتوبر الماضي، لم تتوقف طواقم الدفاع المدني الفلسطيني عن الحفر بين طبقات الركام، في عملٍ شاق يشبه البحث في ذاكرةٍ مطمورة.
ووفق البيانات التي جمعتها وزارة الصحة الفلسطينية، تم انتشال مئات الجثامين بعد الهدنة — بعضها كامل، وبعضها بقايا عظام وأشلاء — أعيدت إلى عائلاتها بعد غيابٍ طال لأشهر.