الردع والحزم".. سياسة بن غفير لتصعيد القبضة الأمنية في الأقصى خلال رمضان

الرسالة نت- متابعة

مع حلول شهر رمضان المبارك، صعّدت سلطات الاحتلال الإسرائيلي إجراءاتها الأمنية والعقابية في مدينة القدس المحتلة، في إطار سياسة يقودها وزير الأمن القومي الصهيوني المتطرف إيتمار بن غفير، تحت شعار "الردع والحزم". 

وتستهدف هذه السياسة تشديد السيطرة على المسجد الأقصى، والتحكم بحركة المصلين داخله ومحيطه، في محاولة لفرض واقع أمني وديني جديد داخل الحرم القدسي.

خطة الردع

تضمنت خطة بن غفير جملة من الإجراءات المشددة، أبرزها توسيع سياسة الإبعاد بحق المقدسيين، وتكثيف الوجود الشرطي في البلدة القديمة ومحيط الأقصى، ومنع إدخال وجبات الإفطار وتنظيم الأنشطة الدينية، إلى جانب تمديد ساعات اقتحامات المستوطنين لباحات المسجد.

وبحسب تقارير إسرائيلية، من بينها ما نشرته صحيفة معاريف، فإن توجهات بن غفير تعكس رغبة التيار اليميني المتطرف في إعادة تشكيل الوضع القائم في المقدسات الإسلامية، وخاصة في الأقصى، وفرض معادلة أمنية جديدة خلال شهر رمضان، الذي يشهد عادة كثافة في الحضور الفلسطيني.

وفي خطوة تزامنت مع الجمعة الأولى من رمضان، اقتحم بن غفير منطقة باب المغاربة المؤدية إلى باحات الأقصى، برفقة المفتش العام للشرطة الإسرائيلية داني ليفي، وقائد لواء القدس أفيشاي فيلد، إلى جانب مسؤولين أمنيين، وأجرى داخل غرفة قيادة الشرطة في البلدة القديمة ما وصفه بـ“تقييم للوضع الأمني”.

وخلال لقائه بعناصر الشرطة، شدد بن غفير على أن "بالسيطرة والحزم نحقق الردع، وهكذا نصل إليه في رمضان"، متوعّدًا باستخدام "اليد الحديدية" ضد من وصفهم بـ"مفتعلي الفوضى"، ومؤكدًا أن المرحلة المقبلة ستعتمد على تشديد القبضة الأمنية لضمان عدم خروج الأوضاع عن السيطرة.

قيود ميدانية وتحويل البلدة القديمة إلى ثكنة

واستبقت سلطات الاحتلال شهر رمضان بسلسلة إجراءات تقييدية، تمثلت في نشر آلاف من عناصر الشرطة وحرس الحدود في محيط الأقصى وأزقة البلدة القديمة، ونصب حواجز حديدية عند أبوابها، وفرض قيود عمرية وتصاريح مسبقة على المصلين القادمين من الضفة الغربية، ما حرم آلاف العائلات من الوصول إلى القدس.

كما شنّت حملة إبعاد واسعة طالت نشطاء ومقدسيين وأئمة ودعاة، في مسعى لتقليص أعداد المرابطين داخل الأقصى خلال الشهر الفضيل. ووفق بيانات محافظة القدس، أصدرت سلطات الاحتلال منذ مطلع العام الجاري أكثر من 250 قرار إبعاد بحق فلسطينيين، في سياق خطط لوجستية تهدف إلى التحكم الكامل بحركة الدخول إلى المسجد.

واعتبرت محافظة القدس، في بيان صحفي، أن هذه الإجراءات تهدف بوضوح إلى تقليص أعداد المصلين وحرمان الفلسطينيين من حقهم الطبيعي في العبادة، مؤكدة أن السياسات المتبعة تمثل اعتداءً مباشرًا على صلاحيات الأوقاف الإسلامية في إدارة شؤون المسجد، ومحاولة لفرض وقائع جديدة تمسّ الوضع القائم الذي استمر لعقود.

وفي موازاة القيود المفروضة على الفلسطينيين، سمحت شرطة الاحتلال لنشطاء "جماعات الهيكل" المزعوم بأداء طقوس دينية داخل باحات الأقصى، شملت الصلاة والغناء والسجود، في خطوة اعتبرها مراقبون تقويضًا صريحًا للوضع القائم منذ عام 1967، والذي ينص على أن المسجد الأقصى مكان عبادة خالص للمسلمين، ومكان زيارة لغير المسلمين.

وتصاعدت هذه السياسة بشكل ملحوظ منذ تعيين قائد شرطة منطقة القدس الجديد أفشالوم بيليد، المقرّب من بن غفير، والذي باشر تنفيذ توجهات اليمين المتطرف الرامية إلى تغيير قواعد الاشتباك داخل الأقصى، وفرض معادلة أمنية جديدة خلال المناسبات الدينية.

ردع أم هيمنة؟

وفي قراءة تحليلية لهذه التطورات، قال المختص في شؤون القدس والمسجد الأقصى، المحامي خالد زبارقة، إن تصريحات بن غفير تمثل محاولة لاستغلال شهر رمضان للتحريض على الفلسطينيين والمقدسات الإسلامية، معتبرًا أن ما يجري يعكس توجّهًا أيديولوجيًا لدى التيار اليميني المتطرف لإحكام الهيمنة على المشهد الديني والسياسي في القدس.

وأوضح زبارقة أن مفهوم "الردع" الذي يطرحه بن غفير يقوم على قمع الفلسطينيين وليس على تطبيق القانون أو الحفاظ على النظام العام، مشيرًا إلى أن الإجراءات المشددة — من تحويل البلدة القديمة إلى ثكنة عسكرية، وفرض الحواجز، وتوسيع سياسة الإبعاد — لم تُنتج هدوءًا، بل عززت حالة التحدي الشعبي.

وأضاف أن الهدف الحقيقي لهذه السياسات يتمثل في تفريغ الأقصى من المصلين المسلمين، مقابل حماية وتكثيف الاقتحامات الاستيطانية، في مسعى لتغيير الوضع القائم تدريجيًا وفرض واقع جديد على الأرض.

ورغم الإجراءات المشددة، أظهرت ردود الفعل الشعبية الفلسطينية حالة من الصمود، إذ توافد المقدسيون وفلسطينيو الداخل بأعداد كبيرة إلى الأقصى، في مشهد عكس تمسكًا بالهوية الدينية والوطنية. كما برزت مبادرات مجتمعية لتعزيز الرباط داخل المسجد، في مواجهة السياسات الرامية إلى تقليص الحضور الفلسطيني.

ويؤكد مراقبون أن معادلة "الردع والحزم" التي يتبناها بن غفير تواجه اختبارًا حقيقيًا في رمضان، حيث يتحول الشهر الفضيل إلى ساحة شدّ وجذب بين سياسة أمنية مشددة تسعى لفرض الهيمنة، وإرادة شعبية تتمسك بحقها في العبادة والوصول إلى مقدساتها.

وفي ظل استمرار هذه الإجراءات، تبدو القدس أمام مرحلة حساسة قد تعيد رسم ملامح المشهد الديني والسياسي في المدينة، وسط تحذيرات من أن المساس بالوضع القائم في الأقصى قد يفتح الباب أمام تصعيد أوسع، يتجاوز حدود المدينة إلى كامل المشهد الفلسطيني.