غزة في يوم المطر… حين تتوقف الشمس تتوقف الحياة

خاص-الرسالة نت

منذ قرابة ثلاثة أعوام، يعيش قطاع غزة بلا كهرباء بعد انقطاعها الكامل، ما دفع السكان إلى الاعتماد القسري على الطاقة الشمسية لتسيير شؤون حياتهم اليومية. غير أن هذا البديل الهشّ ينهار مع غياب الشمس، كما حدث خلال اليومين الماضيين حين دخلت البيوت في عتمة وتوقف فيها نبض الحياة.

في يومٍ ماطر، تفقد الألواح الشمسية قدرتها على توليد الكهرباء؛ فلا شحن للهواتف، ولا اتصال بالإنترنت، ولا إنارة عند حلول المساء، ولا قدرة على تشغيل الأجهزة الأساسية. وعلى موائد الإفطار، تجلس العائلات تحت ضوء المصابيح البدائية، فيما يغيب الضوء تمامًا عن ساعات السحور، لتتحول الليالي إلى عبء نفسي وجسدي ثقيل.

ومع دخول المولدات إلى الخدمة منذ عدة أشهر، يظلّ وجودها مقتصرًا على أحياء قليلة، فيما تبقى تكاليفها الباهظة عائقًا أمام كثير من العائلات التي لا تستطيع توفير ثمن الأسلاك ولا دفع كلفة الكيلو المرتفعة.

تقول أم محمد (42 عامًا):

"من أول يوم مطر، البطاريات ما شحنت. حتى محال الشحن ما اشتغلت، لا ضوّ في البيت ولا نقدر نشحن الجوالات، فنضطر ننام بدري."

غياب الطاقة لم ينعكس فقط على الإضاءة، بل شلّ مظاهر الحياة كافة؛ فقد نفدت بطاريات الهواتف، وانقطع الإنترنت عن آلاف العائلات.

أما الطلبة، فكانوا من أكثر المتضررين. تقول الطالبة آلاء (17 عامًا):

"ما قدرت أستخدم اللابتوب للدراسة، واكتفيت أقدّم امتحاني بسرعة عبر الهاتف. حتى الإضاءة مش متوفرة اليوم للدراسة. المطر نعمة للناس، بس إلنا صار مشكلة."

وفي شهر رمضان، تتضاعف المعاناة. فمع حلول موعد الإفطار، تجتمع العائلات حول موائد بسيطة بلا إنارة كافية، ويُحضَّر الطعام في ظروف بدائية، بينما يغيب الضوء عن ساعات السحور.

وسط هذا الواقع القاسي، يحاول بعض الغزيين ابتكار وسائل للبقاء. يتمنى صبحي سمير أن تبقى الشمس ساطعة أطول وقت ممكن، حتى لا يتوقف مشروعه الصغير الذي يعتمد عليها بالكامل. فقد استثمر الطاقة الشمسية في إنشاء نقطة لشحن الهواتف المحمولة والبطاريات وتشغيل عدد من الأجهزة الكهربائية مقابل أجر يساعده على تأمين متطلبات الحياة.

ومع أول خيوط الشمس، يبدأ صبحي باستقبال الأجهزة التي تحتاج إلى شحن. يرصّ الهواتف والبطاريات على رفوف خشبية بسيطة، وفي ركن جانبي من المكان وضع غسالة ملابس صغيرة يغسل بها ملابس المحيطين به مقابل أجر، في محاولة لتوفير خدمة أساسية وسط انعدام البدائل.

ولم تعد هذه الفكرة حكرًا على صبحي وحده، بل تحولت إلى مهنة اضطرارية لكل من استطاع استغلال الطاقة الشمسية لتوفير الكهرباء للآخرين. غير أن هذه المشاريع تبقى رهينة الطقس، إذ يضطر كثيرون إلى إغلاق نقاط الشحن الخاصة بهم فور غياب الشمس، نتيجة ضعف الإمكانيات وقلة سعة البطاريات.

ويصف أحد المواطنين الواقع قائلًا:

"الشتاء فصل جميل، لكن ظروفنا تغيّرت. كنا نحب المطر لأنه خير، واليوم صرنا نخاف منه لأنه يعني ظلام وبطاريات فاضية وحياة متوقفة."

في غزة، لم يعد المطر مجرد ظاهرة طبيعية، بل اختبارًا قاسيًا لقدرة الناس على الصمود في ظل انقطاع الكهرباء وغياب البدائل. وبين غيمتين، ينتظر السكان شمسًا صغيرة تعيد لهم الضوء… وتعيد معهم شيئًا من حياتهم التي سرقها الظلام.