محمد بلح.. لاعب يركض بين ركام الحرب وحدود الحلم

الرسالة نت- خاص

كان السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 موعدًا كرويًا عاديًا في جدول دوري الدرجة الممتازة لأندية المحافظات الجنوبية. مواجهات منتظرة، وأسبوع سابع يحمل ملامح منافسة مبكرة على اللقب.

محمد بلح كان مستعدًا. هدفان في رصيده، وطموح لتسجيل الثالث، وخطوات واثقة نحو موسم استعادة التألق.

لكن صباح السابع من أكتوبر لم يكن صباحًا عاديًا.

“استيقظنا على أصوات الصواريخ… وفي لحظة، لم يعد هناك دوري ولا موسم ولا خطط”، يقول بلح، مستعيدًا اللحظة التي انكسرت فيها كرة القدم تحت وقع الحرب، ليدخل اللاعب الفلسطيني فصلًا جديدًا من المعاناة امتد لأكثر من عامين.

موهبة اصطدمت بالجغرافيا

محمد بلح (31 عامًا) من أبرز نجوم الكرة الفلسطينية في السنوات الأخيرة. تألق بقميص نادي الصداقة، وتُوّج معه بلقبي الدوري والكأس في المحافظات الجنوبية، وحل وصيفًا لهدافي المسابقة خلف الشهيد الكابتن سليمان العبيد.

موهبته المبكرة قادته إلى استدعاء المنتخب الأولمبي عامي 2014 و2015، لكن الاحتلال الإسرائيلي منعه من الانتقال إلى المحافظات الشمالية، فتعطل حلمه في تمثيل وطنه.

لم تكن تلك أول مرة تُغلق فيها الحدود في وجهه، لكنها كانت أول درس قاسٍ بأن اللاعب الفلسطيني لا ينافس فقط في الملعب، بل أيضًا على حقه في الحركة.

عام 2017، فتح الاحتراف نافذة أمل جديدة بانضمامه إلى النادي الأهلي الأردني. ومن هناك، ورغم القيود، نجح الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم في تأمين مشاركته مع المنتخب الوطني “الفدائي”، ليخوض مباراته الدولية الأولى. كان ذلك انتصارًا صغيرًا على واقع كبير من المنع.

احترافٌ يتوسع… ثم يتعثر

تنقل بلح بين تجارب احترافية في سلطنة عُمان مع أندية السويق وصحم والعروبة، حيث سجل أهدافًا مؤثرة وراكم خبرة لافتة. جاءه عرض للانتقال إلى الدوري الإماراتي، لكن جائحة كورونا أغلقت الملاعب وأوقفت الحلم مؤقتًا.

عاد إلى غزة عام 2021، ووقّع عقدًا قصيرًا مع الصداقة، سجل خلاله سبعة أهداف في تسع مباريات. في تلك الفترة عقد قرانه، وبدأ يحلم باستقرار مزدوج: عائلي وكروي.

لكن إصابة بقطع في الرباط الصليبي مطلع 2022 أدخلته في أطول اختبار صبر في مسيرته. عام ونصف من العلاج والتأهيل، قبل أن يعود مجددًا إلى الملعب في موسم 2023-2024، مسجلًا هدفين… قبل أن تتوقف الحياة نفسها.

من الملاعب إلى الخيام

مع اندلاع الحرب، تحولت رحلة اللاعب إلى سلسلة نزوح قاسية: من غزة إلى خانيونس، ثم إلى المغراقة، ثم عودة إلى خانيونس المحاصرة، وأخيرًا إلى خيام مهترئة في رفح.

“فقدت منزلي وكل ما أملك. بعنا السيارة لنؤمّن الطعام. كنا نعيش بلا كهرباء أو ماء، تحت قصف لا يتوقف”، يروي بلح.

اتخذ قرار السفر إلى مصر بحثًا عن أمان مؤقت، على أمل أن تلحق به زوجته بعد أيام. لكن المعبر أُغلق، واجتياح رفح سبق كل الوعود. بقيت زوجته عالقة في غزة، وهناك وضعت طفلهما الأول الذي لم يره حتى اليوم.

بين أبٍ محروم من لحظة ميلاد ابنه، ولاعبٍ حُرم من موسمه، تتقاطع المأساة الشخصية مع المأساة الجماعية.

عودة من تحت الرماد

في مصر، لم يسمح بلح للانكسار أن يتحول إلى نهاية. بدأ برنامجًا بدنيًا شاقًا، ثم انضم إلى المقاولون العرب. في أول ظهور رسمي، سجل هدفين، وساهم في قيادة الفريق نحو لقب دوري المحترفين المصري بعد تسجيله عدة أهداف حاسمة.

لم تكن تلك مجرد عودة كروية، بل إعلان بقاء.

لاحقًا، انتقل إلى الدوري القطري عبر نادي الشحانية، في محطة احترافية جديدة تعيد ترتيب الحلم القديم: ارتداء قميص المنتخب الوطني مجددًا، لكن هذه المرة بقلبٍ أثقل وتجربةٍ أعمق.

لاعب… وقضية

قصة محمد بلح ليست فقط حكاية مهاجم يبحث عن الشباك، بل سيرة رياضي فلسطيني يصارع الحصار والمنع والحرب، ويحاول أن يبقي قدمه ثابتة على العشب بينما الأرض من حوله تتآكل.

فهو لاعب خسر بيته، وابتعد قسرًا عن زوجته وطفله، ودفن مواسم كاملة من عمره الرياضي، لكنه لم يدفن حلمه.

بين هدفٍ في شباك الخصوم، ودمعةٍ مؤجلة في حضن طفلٍ لم يولد أمام عينيه، يمضي محمد بلح في طريقٍ لا يقاس بعدد الأهداف، بل بقدرته على الركض… رغم كل شيء.