مقال: إسرائيل بين عامل الزمن وحدود القوة: قراءة في مسارات الحرب مع إيران

رامي أبو زبيدة
رامي أبو زبيدة

بقلم: رامي أبو زبيدة

 

تدخل الحرب الدائرة بين إسرائيل وإيران مرحلة شديدة الحساسية، تتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية والسياسية الدولية. فالمؤشرات المتراكمة في الخطاب الإسرائيلي والأميركي، إلى جانب تقديرات مراكز الأبحاث والمقالات التحليلية في الصحافة الإسرائيلية، تكشف أن المعركة لم تعد تُدار فقط في الميدان، بل أصبحت أيضاً سباقاً مع الزمن لتحديد شكل النهاية السياسية للحرب.

في هذا السياق، يبدو أن القيادة الإسرائيلية تدرك أن نافذة العمليات العسكرية قد تكون محدودة زمنياً، وهو ما يفسر تسارع وتيرة الضربات الجوية والعمليات العسكرية داخل إيران خلال الأيام الأخيرة. فالتقدير السائد في تل أبيب يميل إلى أن الحرب لن تكون طويلة، الأمر الذي يدفع إسرائيل إلى محاولة تحقيق أكبر قدر ممكن من الأهداف الميدانية قبل أن تتبلور ضغوط دولية لوقف القتال أو قبل أن يتدخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب لفرض صيغة سياسية لإنهاء المواجهة.

وقد حملت تصريحات ترامب الأخيرة التي ألمح فيها إلى أن الحرب لن تستمر طويلاً رسالة غير مباشرة إلى إسرائيل، مفادها أن سقف هذه الحرب قد لا يصل إلى حد إسقاط النظام الإيراني. وإذا كان هذا السقف قد رُسم بالفعل في واشنطن، فإن الأولوية الأميركية ستتحول من تغيير النظام في طهران إلى إضعاف قدراته العسكرية وتقليص أدوات نفوذه الإقليمي، وهو ما يضع إسرائيل أمام واقع استراتيجي أكثر تعقيداً.

في ضوء هذا الواقع، تسعى إسرائيل إلى تعويض القيود السياسية المحتملة عبر توسيع هامش الإنجاز العسكري في الميدان. فكل ضربة إضافية للبنية العسكرية الإيرانية – سواء في منظومات الصواريخ أو البنية التحتية الدفاعية – قد تشكل ورقة تفاوضية في مرحلة ما بعد الحرب.

غير أن هذه المقاربة تعكس أيضاً إدراكاً متزايداً داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأن قرار إنهاء الحرب لن يكون في يد تل أبيب وحدها. فكما تشير تحليلات نشرتها الصحافة الإسرائيلية، فإن مسار الحرب بات مرتبطاً بدرجة كبيرة بقرار سياسي في واشنطن، الأمر الذي يعيد التأكيد على طبيعة العلاقة غير المتكافئة بين الطرفين في إدارة الأزمات الكبرى.

في موازاة الجبهة العسكرية، تفتح إيران جبهة موازية في سوق الطاقة العالمي، في محاولة لخلق ضغط اقتصادي على الولايات المتحدة وحلفائها. فقد أشارت تقديرات صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي إلى أن طهران تسعى منذ بداية الحرب إلى إحداث اضطراب في أسواق النفط والغاز عبر استهداف البنية التحتية للطاقة وتهديد الملاحة في مضيق هرمز.

وقد انعكست هذه الاستراتيجية سريعاً في الأسواق العالمية، مع ارتفاع أسعار النفط والغاز خلال الأيام الأولى للحرب. غير أن التقدير الإسرائيلي يرى أن الاقتصاد العالمي قادر على استيعاب هذه الصدمة على المدى القصير، خاصة في ظل وجود مخزونات استراتيجية لدى الدول المستوردة للطاقة.

لكن المفارقة التي يبرزها هذا التقدير هي أن نقطة الضعف الاقتصادية قد تكون في دول الخليج المصدرة للطاقة، وليس في الدول المستوردة لها. فاستمرار التوترات في الخليج وتعطل طرق التصدير قد يؤدي إلى امتلاء منشآت التخزين النفطية في دول المنطقة، ما قد يضطرها إلى تقليص الإنتاج أو وقفه مؤقتاً. وفي هذه الحالة قد تتحول هذه الدول نفسها إلى طرف ضاغط لإنهاء الحرب لتجنب خسائر اقتصادية كبيرة.

في المقابل، تكشف مقالات وتحليلات في الصحافة الإسرائيلية عن قلق متزايد من احتمال انتهاء الحرب دون تحقيق الأهداف الاستراتيجية التي أعلنت في بدايتها. فقد حذر محللون في صحيفة معاريف من أن أي انسحاب أميركي مبكر من الحرب قد يسمح لطهران وحلفائها، وعلى رأسهم حزب الله، بتقديم أنفسهم كمنتصرين سياسياً، حتى لو تكبدوا خسائر عسكرية كبيرة.

وتزداد هذه المخاوف في ظل التقديرات التي تشير إلى أن مجرد بقاء النظام الإيراني بعد الحرب قد يُقدَّم داخلياً وإقليمياً بوصفه انتصاراً، خاصة إذا لم تتمكن إسرائيل والولايات المتحدة من تدمير القدرات النووية الإيرانية أو إجبار طهران على تقديم تنازلات استراتيجية كبرى.

هذا الجدل يقود إلى مسألة أعمق تتعلق بتعريف النصر نفسه في هذه الحرب. فقد أشار الصحفي الإسرائيلي رونين بيرغمان في صحيفة يديعوت أحرونوت إلى أن الخطاب السياسي حول “النصر الكامل” قد يكون مضللاً، لأن جميع الأطراف قد تعلن الانتصار في نهاية المطاف، كل وفق روايته الخاصة.

فمن جهة قد يعلن ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نجاحهما في تقليص الخطر الإيراني، بينما قد يعتبر النظام في طهران أن مجرد بقائه بعد الحرب يمثل انتصاراً استراتيجياً. أما في الداخل الإيراني، فقد يتحول هذا الخطاب إلى أداة لتعزيز شرعية النظام، وربما لترسيخ انتقال السلطة مستقبلاً إلى مجتبى خامنئي.

في ضوء هذه المعطيات، تبدو الحرب الحالية أقرب إلى حرب محدودة الأهداف زمنياً لكنها مفتوحة النتائج استراتيجياً. فإسرائيل تسعى إلى استغلال الوقت لتحقيق أكبر قدر من الإنجازات العسكرية، بينما تراهن إيران على عامل الصمود وعلى الضغوط الاقتصادية والسياسية التي قد تدفع واشنطن إلى إنهاء الحرب بسرعة.

أما الولايات المتحدة، فتبدو عالقة بين هدفين متناقضين: إضعاف إيران ومنعها من امتلاك سلاح نووي، دون الانزلاق إلى حرب طويلة ومكلفة في الشرق الأوسط.

وبين هذه الحسابات المتشابكة، قد ينتهي القتال في لحظة سياسية مفاجئة، يعلن فيها كل طرف النصر بطريقته الخاصة، فيما تبقى الأسئلة الكبرى حول توازن القوى في المنطقة مفتوحة لجولة جديدة من الصراع.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من مقالات