مقال: الأقصى بين لحظتين

رشا فرحات

 

لا زلت اذكر انتفاضة البوابات عام 2017 ، الأزمة التي قلبت مدينة القدس رأسًا على عقب وأخافت الاحتلال؛ حينما قررت السلطات الإسرائيلية تركيب بوابات وكواشفٍ إلكترونية ونشرَ قواتٍ إضافية عند مداخل الأقصى، ثم تعديل مواعيد وقيود الدخول للمصلين.

هذا الاجراء  جعل أهالي القدس ينتفضون، والشباب يجتمعون أمام البوابات بعنادهم المعروف. يومها لم تكن البوابات مجرد معدنٍ مثبتٍ على حجرٍ عتيق، بل كانت خطًا أحمر مسّ كرامة مدينةٍ كاملة. كانت الصلاة على الإسفلت فعلَ مقاومة، و الأكتاف المتلاصقة عند أبواب الأقصى بيانًا واضحًا بأن القدس لا تُدار بقرارٍ أمني عابر.

اليوم الأقصى مغلق أمام المصلين. طُرد المصلون منه، ثم أُغلق هكذا ببساطة. لا يُقام فيه أذان ولا صلاة في هذه الأيام المباركة، الأيام التي اعتاد الفلسطينيون أن يحجّوا فيها إلى باحاته للرباط والسكينة. المشهد صادم : أبواب موصدة، ساحات خالية، وصمتٌ ثقيل يتسلل بين القباب.

فأين أهالي القدس؟
السؤال موجع، لكنه ليس اتهامًا. لأن القدس التي عرفناها عام 2017 ليست مدينةً الانتفاضات بل مدينةٌ أُرهقت. هناك فرقٌ بين لحظةٍ واضحة العنوان، ولحظةٍ غائمة الحدود. في انتفاضة البوابات كان الهدف محددًا: إزالة البوابات. كان الخطر مرئيًا، ملموسًا، يمكن أن تشير إليه بإصبعك. أما اليوم فالخطر أكبر وأشد ضبابية، يأتي تحت عنوان “ظرف أمني”، “إغلاق مؤقت”، “إجراءات احترازية”. لا بوابة محددة تُزال، ولا قرار واحد يُلغى، بل حالة ممتدة يصعب الإمساك بطرفها.
الفروق واضحة وعظيمة ومؤلمة وخطيرة...
إغلاق المسجد الأقصى في رمضان، تحت ستار الحرب، لا يبدو قرارًا أمنيًا عابرًا بقدر ما يشبه لحظة اختبارٍ قاسية لنبض المكان وأهله. حين يُختار أكثر الأزمنة قداسةً وحميمية في وجدان المسلمين ليُعلَّق فيه الأذان وتُفرَّغ الساحات، فإن الرسالة تتجاوز الإجراء إلى المعنى: من يملك حق الزمن في هذا الموضع؟ ومن يقرر متى تُفتح السماء فوق القباب؟

بهذا المعنى، يصبح الإغلاق محاولةً لإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والمقدس، ولترسيخ حضور القوة بوصفها مرجعيةً أعلى من الوجدان الجمعي. 

الخطر لا يكمن في يومٍ مغلق، بل في اعتياد الفكرة، في أن يتحول الاستثناء إلى قاعدة، والطارئ إلى نظام دائم. فإذا مرّت اللحظة الأكثر حساسية دون ارتدادٍ يوازي رمزيتها، فإن الباب يُفتح لتثبيت واقعٍ جديد يتسلل بهدوء إلى ما بعد الشهر الفضيل.

هنا لا تعود القضية ردّ فعلٍ على قرار، بل سؤالًا وجوديًا عن من يحرس المعنى، ومن يحمي الحق في الوصول إلى المكان حين يصبح الوصول ذاته موضع نزاع.

القدس لا تموت، لكنها تتعب. وأهلها لا ينسون، لكنهم يُستنزفون. بين انتفاضةٍ عند بوابة، وصمتٍ أمام إغلاق شامل، تقف المدينة على خيطٍ رفيع من الألم. وربما يكون ما نراه اليوم سكونًا يسبق لحظة أخرى، لا نعرف متى تأتي، لكننا نعرف أن هذه المدينة حين تتحرك، فإنها لا تفعل ذلك همسًا.