في جنوب لبنان، حيث القرى الصغيرة تعرف أبناءها بالاسم والوجوه، كان أحمد ترمس يعيش حياة بسيطة بين أهله في بلدة طلوسة. رجل في نحو الستين من عمره، أب لأربعة أبناء، يعرفه أهل البلدة بطيبته وحضوره الدائم في شؤون القرية.
لم يكن اسمه يومًا في نشرات الأخبار، ولم يكن يبحث عن بطولة، لكنه في لحظة واحدة وجد نفسه أمام سؤال قاسٍ يختصر مصير إنسان:
بدك تموت مع أهلك… ولا لحالك؟
في هذه الأيام، يعيش الجنوب اللبناني تحت سماء ثقيلة بالطائرات الحربية. منذ بداية شهر مارس/آذار 2026 تصاعدت الغارات الإسرائيلية على لبنان، ومع مرور ثلاثة أيام فقط كانت الحصيلة قد ارتفعت إلى 72 شهيدًا و437 جريحًا وفق بيانات وزارة الصحة اللبنانية، إضافة إلى عشرات آلاف النازحين الذين تركوا بيوتهم تحت القصف.
وسط هذا المشهد، كانت قرية طلوسة واحدة من القرى التي تعيش على إيقاع التهديدات اليومية. رنّ الهاتف. على الطرف الآخر صوت بارد يقول إن المكان سيُستهدف. لم تكن الرسالة طويلة، لكنها حملت معنى واضحًا: إمّا أن يبقى حيث هو، وإمّا أن يخرج وحده.
في تلك اللحظة لم يكن أحمد مجرد رجل يتلقى تهديدًا. كان أبًا يفكر في أولاده، وزوجًا يفكر في زوجته، وجارًا يعرف أن أي صاروخ يسقط على البيت قد يقتل من فيه. لحظة واحدة فقط فصلت بين القرارين.
اختار أن يخرج، غادر المنزل بهدوء، ركب سيارته وابتعد عن المكان السكني. كان يعرف أن الطائرة تراقبه، وأن الصاروخ سيأتي. لكنه أراد أن يبتعد بما يكفي حتى لا يصيب أحدًا غيره.
في الطريق القصير بين البيت والمصير، ربما مرّ في ذهنه شريط حياته. الجنوب الذي كبر فيه، القرية التي يعرف حجارتها وأشجارها، والأبناء الذين حمل أسماءهم في قلبه. وربما مرّ أيضًا وجه ابنه حسن ترمس، الذي كان قد استُشهد قبل أشهر في المواجهات في الجنوب، ليصبح الأب بعده على الطريق نفسه.
لم يطل الانتظار،طائرة مسيّرة أطلقت صاروخين باتجاه السيارة. انفجار واحد أنهى الحكاية، وارتفع اسم أحمد ترمس شهيدًا جديدًا في سجل الجنوب المثقل بالفقد.
حين وصل الخبر إلى البلدة، لم يتحدث الناس كثيرًا عن تفاصيل الضربة بقدر ما تحدثوا عن اللحظة التي سبقتها. عن السؤال الذي طُرح عليه، وعن الإجابة التي كتبها بالفعل لا بالكلمات.
أن يموت وحده… كي لا يموت غيره.
في قرى الجنوب، حيث البيوت متلاصقة والقلوب كذلك، تُروى الحكايات سريعًا وتتحول إلى ذاكرة جماعية. صار اسم أحمد ترمس يتردد بين الناس كحكاية عن أبٍ اختار أن يحمل الخطر بعيدًا عن بيته. رجلٌ عرف أن الصاروخ سيأتي، لكنه حاول أن يختار مكان سقوطه.
وهكذا، لم تكن القصة مجرد غارة على سيارة في بلدة حدودية. كانت لحظة إنسانية مكثفة، بين هاتف يطرح سؤالًا قاسيًا، ورجل يجيب بالفعل.
بدك تموت مع أهلك… ولا لحالك؟