تواصل الأوضاع المعيشية في قطاع غزة تدهورها بشكل متسارع في ظل القيود المفروضة على إدخال المواد الغذائية والمستلزمات الأساسية، وسياسة تقليص المساعدات التي تصل إلى السكان، في وقت تتجه فيه أنظار العالم نحو الحرب المتصاعدة بين إيران وإسرائيل وتداعياتها الإقليمية.
ويواجه أكثر من مليوني فلسطيني في القطاع ظروفا إنسانية صعبة نتيجة استمرار القيود على المعابر ومنع دخول كميات كافية من المواد الغذائية والسلع الأساسية والمواد الخام اللازمة لعمل القطاعات الاقتصادية، الأمر الذي فاقم أزمة الفقر والبطالة ورفع مستويات انعدام الأمن الغذائي بين الغزيين.
ومع استمرار الأزمة منذ أشهر، تتزايد التحذيرات الدولية من تفاقم الكارثة الإنسانية في غزة، خاصة في ظل تراجع تدفق المساعدات الإنسانية، وتعطل العديد من الخدمات الحيوية، ما يهدد بتدهور أكبر في الظروف المعيشية للسكان خلال الفترة المقبلة.
عرقلة اسرائيلية
ومنذ 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، لم تشهد الأوضاع المعيشية في قطاع غزة تحسنا ملموسا، في ظل اتهامات لإسرائيل بعدم الالتزام ببنود الاتفاق المتعلقة بإدخال الكميات المتفق عليها من المواد الغذائية والإغاثية والطبية، إلى جانب عدم السماح بدخول البيوت المتنقلة وفتح المعابر بشكل كامل أمام حركة البضائع والمساعدات.
ويقول المواطن رائد دياب، وهو من سكان مدينة غزة، إن الحياة اليومية أصبحت أكثر صعوبة مع استمرار نقص المساعدات وارتفاع الأسعار، مشيرا إلى أن كثيرا من الأسر لم تعد قادرة على تأمين احتياجاتها الأساسية من الغذاء والوقود.
وأضاف دياب أن الكميات المحدودة من المساعدات التي تدخل إلى القطاع لا تصل إلى جميع المحتاجين، لافتا إلى أن كثيرا من العائلات تعتمد على ما يتوفر من مساعدات إنسانية أو على مبادرات فردية من مؤسسات خيرية، لكنها تظل غير كافية لتغطية الاحتياجات المتزايدة للسكان.
وأشار إلى أن الأوضاع تتجه نحو مزيد من التدهور مع استمرار القيود على دخول السلع والمواد الخام، موضحا أن العديد من الأنشطة الاقتصادية الصغيرة توقفت أو تقلصت بسبب نقص المواد الأساسية وارتفاع تكاليف التشغيل، الأمر الذي انعكس سلبا على مصادر دخل الأسر.
وفي ظل هذه الظروف، حذرت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيز، من تفاقم الأزمة الإنسانية في قطاع غزة.
وقالت ألبانيز في منشور على منصة "إكس": "بينما ينشغل العالم مجددا بمزيد من الحروب واليأس المصطنع، تواصل إسرائيل تجويع غزة عمدا".
وقبل اندلاع المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران، أعلن "المطبخ المركزي العالمي" وقف عملياته في قطاع غزة، وهو ما اعتبر مؤشرا إضافيا على تعمق الأزمة الإنسانية والغذائية في القطاع.
وأوضح المطبخ المركزي العالمي أن قراره جاء نتيجة "القيود الكبيرة المفروضة على المعابر والانخفاض الكبير في عدد الشاحنات الواردة"، ما جعل استمرار عملياته الإنسانية أمرا بالغ الصعوبة في ظل نقص الإمدادات.
تحذير أممي
وفي السياق ذاته، حذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" من التأثير المباشر للتصعيد الإقليمي على الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة والضفة الغربية، خاصة بعد إغلاق جميع المعابر، بما فيها معبر رفح الحدودي مع مصر.
وذكر المكتب في بيان أن عمليات تناوب موظفي الأمم المتحدة في قطاع غزة تأجلت، ما أدى إلى تعليق عمليات الإجلاء الطبي وعودة السكان، رغم الجهود المبذولة للحفاظ على تدفق الإمدادات الإنسانية إلى القطاع.
كما أشار "أوتشا" إلى أن تراجع مخزونات الوقود في غزة دفع الجهات المعنية إلى ترشيد استهلاكه، الأمر الذي انعكس على عمل المخابز والمستشفيات ومحطات تحلية المياه، إلى جانب تعليق خدمات جمع النفايات في بعض المناطق.
بدورهم، أعرب خبراء الأمم المتحدة عن قلق بالغ إزاء استمرار الخروقات اليومية التي تعيق تنفيذ أي خطة إنسانية فعالة لتحسين الظروف المعيشية في القطاع.
وفي السياق نفسه، حذر المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، فيليب لازاريني، من أن نحو 1.6 مليون شخص في قطاع غزة يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، في ظل تراجع الإمدادات الإنسانية واستمرار القيود المفروضة على دخول السلع.
كما نبهت منظمات دولية، من بينها الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، إلى خطر انهيار عدد من المباني المتضررة جزئياً نتيجة القصف السابق، داعية إلى توفير مساعدات طارئة وحلول إيواء فورية للمتضررين.
من جهتهم، أدان خبراء حقوق الإنسان المستقلون في الأمم المتحدة ما وصفوه بقرار إسرائيل "إعادة فتح أبواب الجحيم" على غزة ووقف المساعدات، مؤكدين أن استئناف ما سموه "تسليح الجوع" يمثل خرقا واضحا للقانون الدولي الإنساني.
وفي السياق ذاته، دعت رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر ميريانا سبولياريك الدول إلى استثمار أي فرصة متاحة لتحسين الظروف الإنسانية في قطاع غزة، محذرة من أن الوضع الإنساني في القطاع لا يزال "مأساوياً" رغم الجهود الدولية الرامية إلى تخفيف الأزمة.
ومع استمرار القيود على المعابر وتراجع تدفق المساعدات الإنسانية، يخشى سكان القطاع من أن تشهد المرحلة المقبلة مزيدا من التدهور في الأوضاع المعيشية، خاصة في ظل محدودية الموارد وتزايد الاعتماد على المساعدات الإنسانية لتأمين الحد الأدنى من احتياجات الحياة اليومية.