في ذكراهم الأولى..استحضار للأثر ورسائل في وجه الاستهداف

الرسالة نت - خاص


في الثامن عشر من مارس/آذار، لا تمرّ الذكرى في قطاع غزة بوصفها تاريخًا عابرًا، بل تعود كواحدة من أكثر المحطات إيلامًا ودلالة في سياق الاستهداف (الإسرائيلي) للقيادات الفلسطينية، حين طالت عمليات الاغتيال في عام 2025 نخبة من الشخصيات التي شكّلت أعمدة في البنية السياسية والأمنية والإدارية في القطاع.

في ذلك اليوم، فقدت غزة عددًا من أبرز كوادرها القيادية، وهم: عضو المكتب السياسي للحركة عصام الدعاليس، واللواء محمود أبو وطفة وكيل وزارة الداخلية، والعميد بهجت أبو سلطان رئيس جهاز الأمن الداخلي، وأحمد عمر الحتة وكيل وزارة العدل، إلى جانب رئيس لجنة الطوارئ في حماس أبو عبيدة الجماصي؛ في عملية حملت أبعادًا تتجاوز الاستهداف الفردي إلى ضرب منظومة متكاملة من الإدارة والقرار.

لم تكن تلك الاغتيالات حدثًا معزولًا، بل جاءت ضمن سياق أوسع من سياسة ممنهجة تستهدف تفريغ المشهد الفلسطيني من قياداته المؤثرة، عبر توجيه ضربات مركزة تطال مواقع حساسة في لحظات حرجة. ويقرأ مراقبون هذه السياسة بوصفها محاولة لإرباك البنية التنظيمية، وإحداث فراغ قيادي ينعكس على قدرة المؤسسات على إدارة الأزمات، خاصة في بيئة مثقلة أصلًا بالحصار والضغوط.

غير أن التجربة الفلسطينية، كما يرى مختصون، تشير إلى نتيجة معاكسة في كثير من الأحيان؛ إذ تتحول الاغتيالات إلى عامل يعيد إنتاج القيادة بدل أن ينهيها، ويعزز من حالة الالتفاف الشعبي حول الرموز المستهدفة، بوصفهم تجسيدًا لفكرة الصمود لا مجرد أشخاص.
وعلى المستوى الداخلي، لم يكن القادة الذين استُهدفوا مجرد أسماء في مواقع رسمية، بل كانوا جزءًا من منظومة إدارة يومية معقدة، تتداخل فيها الأبعاد الأمنية والخدمية والقضائية، في واقع استثنائي يتطلب قرارات سريعة وتوازنات دقيقة. ويؤكد مقربون منهم أن لكل واحد بصمته الخاصة في إدارة الملفات الحساسة، سواء في تنظيم العمل الحكومي، أو التعامل مع التحديات الأمنية، أو إدارة حالة الطوارئ.

ويكشف استحضار هذه الذكرى عن بعد آخر يتجاوز لحظة الاغتيال نفسها، ليمتد إلى السؤال حول أثر غياب القيادات على المدى الطويل، وكيفية تعامل المؤسسات مع هذه الفجوات المفاجئة. ففي حين تراهن إسرائيل على أن غياب القادة يضعف البنية التنظيمية، تظهر التجربة أن المؤسسات الفلسطينية غالبًا ما تلجأ إلى إعادة ترتيب صفوفها بسرعة، مستندة إلى تراكم الخبرات وبنية تنظيمية مرنة.

وفي السياق ذاته، يربط كثيرون بين اغتيال هؤلاء القادة وسلسلة أوسع من الاستهدافات التي طالت، على مدار سنوات، شخصيات سياسية وعسكرية وأكاديمية، ما يعكس نمطًا يتجاوز البعد الأمني المباشر، ليشمل استهداف الكفاءات ومحاولات التأثير على الوعي الجمعي والبنية المجتمعية.

كما تحمل الذكرى دلالات رمزية عميقة، إذ تتحول إلى مساحة لاستعادة السردية الوطنية، القائمة على فكرة الاستمرارية رغم الخسارة، وعلى تحويل الفقد إلى عنصر دافع لا عامل انكسار. وفي هذا الإطار، لا يُنظر إلى القادة الشهداء بوصفهم غائبين، بل كجزء من ذاكرة حية تُستعاد في الخطاب اليومي، وفي وعي الأجيال الجديدة.
ومع مرور عام على تلك الحادثة، تتجدد الأسئلة ذاتها: هل تنجح سياسة الاغتيالات في تحقيق أهدافها الاستراتيجية، أم أنها تسهم—بصورة غير مباشرة—في تكريس الحالة التي تسعى إلى كسرها؟ وبين هذا وذاك، تبقى النتيجة الأكثر وضوحًا أن مسار الصراع لم يتوقف، وأن استهداف الأفراد لم ينجح في إنهاء الفكرة التي يمثلونها.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من سياسي