تتفاقم الأزمة الصحية في قطاع غزة بوتيرة متسارعة، في ظل استمرار الحصار الاقتصادي وإغلاق المعابر وتراجع إمدادات الأدوية والمستلزمات الطبية، ما يضع مئات آلاف المرضى والجرحى أمام واقع قاسٍ يهدد حياتهم يوما بعد آخر.
وبين رفوف فارغة في العيادات وصيدليات عاجزة عن تلبية الاحتياجات الأساسية تتكشف ملامح كارثة إنسانية وصحية آخذة في الاتساع.
ولا تقتصر تداعيات هذا النقص على مرضى الحالات الطارئة أو الجرحى فقط، بل تمتد لتطال أصحاب الأمراض المزمنة، الذين بات كثير منهم عاجزا عن الحصول على أدويته المنتظمة، الأمر الذي يضاعف معاناتهم ويفاقم أوضاعهم الصحية.
وفي الوقت نفسه، تواجه المستشفيات تحديات هائلة في مواصلة العمل، وسط شح الوقود وانخفاض القدرة التشغيلية وانعدام كثير من الأدوات الطبية اللازمة للعلاج والتدخلات الجراحية.
معاناة لتأمين الدواء
بدورها، قالت المسنة صفية عبد الخالق، التي تعاني من مرض ارتفاع ضغط الدم منذ سنوات طويلة، إن الحصول على الدواء بات يشكل عبئا نفسيا وجسديا عليها، بعدما كانت تتابع حالتها الصحية بشكل منتظم في العيادات الحكومية.
وأضافت عبد الخالق: "غياب الأدوية الأساسية من المراكز الصحية جعلها تعيش حالة دائمة من القلق، خاصة مع حاجتها اليومية للعلاج لتفادي أي مضاعفات خطيرة".
وأوضحت أن أفراد أسرتها يضطرون بشكل متكرر إلى التنقل بين أكثر من عيادة وصيدلية بحثا عن دوائها، لكنهم كثيرا ما يعودون خالي الوفاض.
وتابعت بصوت يملؤه التعب: "أحيانا أُخفض الجرعة أو أؤجلها يوما أو يومين لأن الدواء غير متوفر، وهذا يرهقني كثيرا ويجعلني أشعر بدوخة وتعب شديدين، لكنني لا أملك خيارا آخر".
وأشارت إلى أن الأزمة لم تعد تتعلق فقط بارتفاع الأسعار أو صعوبة الوصول، بل أصبحت مرتبطة بانعدام الدواء نفسه، حتى في المرافق الصحية التي كانت تعتمد عليها سابقا.
أما الشاب رائد عبد الله، وهو جريح في العشرينات من عمره، فقال إن رحلة علاجه تحولت إلى معاناة مفتوحة بسبب انهيار المنظومة الصحية ونقص الإمكانيات الطبية اللازمة لمتابعة حالته.
وأكد عبد الله أن إصابته كانت تحتاج إلى تدخلات علاجية متواصلة ومستلزمات طبية خاصة لكن الواقع الصحي في غزة لم يعد قادرا على تلبية الحد الأدنى من احتياجاته.
وأضاف: "حالتي الصحية بدأت تتراجع تدريجيا خلال الأسابيع الأخيرة، في ظل تأخر المتابعة الطبية ونقص الأدوية والمسكنات والمضادات الحيوية اللازمة لتجنب المضاعفات، أشعر كل يوم أن حالتي تسوء أكثر وأخاف أن أصل إلى مرحلة لا ينفع معها العلاج، فقط لأن ما أحتاجه غير موجود".
وأشار إلى أن أكثر ما يثقل عليه ليس الألم الجسدي وحده، بل الشعور بالعجز والخوف من المستقبل، خاصة مع تعطل كثير من الخدمات الطبية الأساسية.
وختم حديثه قائلا: "كنت أظن أن الجرح يحتاج وقتا حتى يلتئم، لكنني اكتشفت أن الجرح في غزة يحتاج أيضا إلى نظام صحي حي وهذا ما نفتقده اليوم".
تحذيرات طبية
من جهته، حذّر مدير مجمع الشفاء الطبي، الدكتور محمد أبو سلمية، من تفاقم خطير في الأوضاع الصحية داخل قطاع غزة، مؤكدا أن الأزمة ازدادت تعقيدا منذ اندلاع الحرب على إيران، بالتزامن مع استمرار إغلاق المعابر المؤدية إلى القطاع، وهو ما تسبب في مزيد من الضغط على القطاع الصحي المنهك أصلا.
وأوضح أبو سلمية أن إغلاق المعابر أدى إلى تقليص حاد في دخول الأدوية والمواد الطبية والأجهزة اللازمة لتشغيل المستشفيات، مشيرا إلى أن الكميات التي كانت تصل إلى غزة قبل ذلك كانت محدودة للغاية، ولم تكن تلبي أصلا احتياجات المرضى والجرحى، ما جعل الأزمة الحالية أكثر حدة وخطورة.
وفيما يتعلق بحجم النقص، أكد أن القطاع الصحي فقد نسبة كبيرة من احتياجاته الأساسية، مبينا أن أكثر من 48% من الأدوية الأساسية لم تعد متوفرة، إلى جانب فقدان أكثر من 70% من المستلزمات الطبية.
ولفت إلى أن هذا العجز ينعكس بشكل مباشر على مرضى السرطان والكلى والقلب الذين يواجهون صعوبات متزايدة في تلقي الرعاية والعلاج.
وأضاف أن نحو 350 ألف مريض من أصحاب الأمراض المزمنة يعانون من صعوبة شديدة في الحصول على الأدوية، في وقت يحتاج فيه عشرات آلاف الجرحى إلى تدخلات جراحية عاجلة داخل القطاع أو خارجه، إلا أن المستشفيات باتت عاجزة عن إجراء كثير من العمليات بسبب نقص الأدوية والمستلزمات الطبية الضرورية.
كما حذر أبو سلمية من احتمال توقف عمل المستشفيات بشكل كامل نتيجة شح الوقود اللازم لتشغيل مولدات الكهرباء، مؤكدا أن هذا السيناريو ستكون له تداعيات كارثية على المرضى والجرحى، لا سيما في أقسام غسيل الكلى وحضانات الأطفال والعمليات وبنوك الدم والأشعة.
وأشار إلى أن استمرار إغلاق معبر رفح يحرم نحو 22 ألف مريض من فرصة العلاج خارج القطاع، ما يزيد من احتمالات تدهور الحالات وارتفاع أعداد الوفيات.
تكشف أزمة نقص الدواء والمستلزمات الطبية في غزة عن وجه آخر من وجوه المعاناة الإنسانية التي يعيشها السكان تحت وطأة الحصار والانهيار المتسارع للخدمات الصحية.
ومع اتساع فجوة الاحتياجات الطبية واستمرار تعطل الإمدادات، تبدو المنظومة الصحية في غزة أمام اختبار بالغ القسوة، في وقت بات فيه التدخل العاجل ضرورة إنسانية لا تحتمل التأجيل، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تتحول الأزمة إلى انهيار شامل لا يمكن احتواؤه.