على بضعة أحجار متفرقة، ولوح من الصفيح المعدل تعلوه فرشة ملونة، جلس الحاج أبو محمد ذو الخمسة وسبعين عام في خيمته في مخيم النزوح؛ لقد كانت زيارتنا الأولى للحاج المسن الذي استضافنا بكل كرم وجود.
وما إن تحدثنا وتبادلنا أطراف الحديث، حتى علمت بأنه رُزق بتسعة من الشباب واثنتين من البنات، استشهد منهم أربعة خلال حرب الإبادة التي شنها الاحتلال الإسرائيلي على غزة. ابنة وثلاثة من الشباب، إضافة لزوجته وعدد من أحفاده ارتقوا جميعاً شهداء، وقد خرج هو والناجين بأعجوبة من بين أنياب الموت في شمال القطاع، بعد تعرضهم لحصار صعب وقصف عشوائي.
الحاج أبو محمد الذي تعود أصول عائلته العريقة لمدينة المجدل والتي هُجرت جوراً وعدوناً في العام 1948، أسهب في حديثه الماتع، مذكراً بالنعم رغم الفقد، والصبر رغم الجراح، وكأن الكلمات تخرج بلسم، والتعابير شفاء.
لقد أُجبر الرجل، كالآلاف من السكان على مغادرة بيته دون أن يستطيع أن يحمل معه إلا القليل من الأمتعة، وهو الآن لا يستطيع العودة لحيث أقام مع الأبناء والأحفاد، إذ يمنع الاحتلال الإسرائيلي السكان من العودة لبيوتهم وأراضيهم الواقعة شرق الخط الأصفر، بعدما دمر الجزء الأكبر من هذه المناطق.
وعلى الرغم من ذلك، ذكرنا الحاج بأن العودة بالنسبة للفلسطيني الذي تعرض لأبشع صنوف الإبادة ليست مجرد خيار؛ بل واجب وطني وعقيدة يتربى عليها الصغار ويتمسك بها الكبار حتى العودة. حتى ذلك الموعد المحتوم ستبقى هذه الخيام شاهدة على أننا هنا باقون ولن نرحل.