لم يعد هجومًا عاديًا، بل هو شروعٌ حقيقي بالقتل. وجهُ الشاب عبد الرحمن سرحان من بلدة سلوان مشوّه بالكامل، تغطيه الجروح والدماء النازفة. أكثر من 15 غرزة في رأسه، وجسدٌ مثخن بالكدمات والتمزقات، وقدمان لم تسلما من الضرب.
بدات تلك الليلة العصيبة في بلدت سلوان بهاجمه نحو 15 مستوطنًا دفعة واحدة، الشاب عبد الرحمن سرحان ؛ حيث أحاطوا به، ودفعوه إلى الأرض، ثم انهالوا عليه، وكأنهم قرروا مسبقًا أن ينهوا حياته في أزقة سلوان.
في تلك اللحظة، لم تكن سلوان مجرد حيٍّ مقدسيٍّ مكتظ، بل مسرحًا مفتوحًا لاعتداء جماعي منظّم. يروي عبد الرحمن، بصوتٍ متقطع يثقلُه الألم، أن الهجوم بدأ فجأة، دون سابق إنذار. كان يسير برفقة صديقٍ له، قبل أن تندفع مجموعة من المستوطنين نحوهما، يرشّونهما بالغاز، في محاولة لإرباكهما وشلّ حركتهما.
“رشّوني بالغاز… ولم أعد أرى شيئًا”، يقول عبد الرحمن. خلال لحظات، فقد توازنه، وبدأ وعيه يتلاشى. سقط أرضًا، وبين غيابٍ جزئيٍّ للإدراك، شعر بالأقدام تتكاثر حوله. ثم بدأ الضرب.
لم يكن ضربًا عشوائيًا، بل موجات متتالية من الركل والعصي، تركزت على الرأس والجسد. “كنت أشعر أن الضرب لا يتوقف”، يضيف، قبل أن يصف اللحظة الأكثر قسوة: “حاولوا طعني في بطني بسكين…”.
في تلك اللحظة الفاصلة، وبين شبه غيبوبة ووعيٍ متقطع، شعر عبد الرحمن بشيءٍ حاد يخترق جسده. “حينما شعرت بالسكين تخترق بطني، صحوت من إغمائي”
حاول أن يضع يده على بطنه ليحمي نفسه، لكن المعتدي سحب السكين، ولم يتوقف.
“سحب السكين… وطعنني في قدمي”، يضيف، في وصفٍ يكشف انتقال الاعتداء من الضرب إلى محاولة إحداث إصابات قاتلة. لم يكن الهدف مجرد الاعتداء، بل إيقاع أكبر قدر ممكن من الأذى في جسده المنهك.
الدماء، كما يروي، كانت “تطفح من وجهي ومن كل أنحاء جسدي”. ومع استمرار النزيف، عاد إلى حالة إغماء جديدة. في تلك اللحظة، وبين الحياة والموت، اعتقد أنه لن ينجو. “شعرت أنني مت”.
حاول صديقه التدخل فدفعوه بوحشية وشهود من المكان أفادوا أن المعتدين تراجعوا فقط عندما بدا الشاب بلا حراك، غارقًا في دمائه. عندها، فرّوا من المكان، تاركينه ينزف على الأرض.
تأخر الوصول إليه في اللحظات الأولى بسبب حالة الخوف التي بثّها الهجوم، قبل أن يتمكن بعض السكان من الاقتراب ومحاولة إنقاذه. نُقل لاحقًا إلى المستشفى في حالة حرجة، حيث خضع لتدخلات طبية عاجلة، شملت خياطة أكثر من 15 غرزة في الرأس، ومعالجة جروح عميقة في البطن والقدم، إضافة إلى كدمات واسعة في مختلف أنحاء الجسد.
مصادر طبية وصفت حالته بأنها “شديدة الخطورة عند الوصول”، مشيرة إلى أن الإصابات، خصوصًا في الرأس والبطن، كانت كفيلة بتهديد حياته بشكل مباشر.
الحادثة، التي وقعت في سلوان، تكشف تحول الاعتداءات إلى نمط أكثر عنفًا وتنظيمًا، حيث لم يعد الضرب كافيًا، بل بات استخدام السلاح الأبيض جزءًا من الهجوم. بالنسبة لعبد الرحمن، فإن ما حدث لم يكن مجرد اعتداء، بل محاولة قتل مكتملة الأركان.
وبين الغرز التي تملأ رأسه، والجروح التي ما تزال تنزف في جسده، تبقى روايته شهادة حيّة على لحظاتٍ كاد أن يفقد فيها حياته، حين اجتمع عليه خمسة عشر معتديًا، وتركوه بين الإغماء والموت، قبل أن يفرّوا، معتقدين أن المهمة قد انتهت.