لم تكن خيمة التعليم، المصنوعة من قماشٍ رقيق بالكاد يستر ما تحتها، سوى محاولة صغيرة لمقاومة العدم في شمال غزة. هناك، فوق أنقاض مدرسة “أبو عبيدة بن الجراح” في بيت لاهيا، جلست الطفلة ريتاج ريحان تمسك قلمها بثقة، وكأنها تُمسك بحلمٍ أكبر من الحرب نفسها.
في ذلك الصباح، بدت ريتاج مختلفة. ارتدت ملابسها بعناية، صفّفت شعرها، وذهبت إلى خيمتها المدرسية الجديدة بشغف طفلة عادت أخيرًا إلى مقاعد الدراسة بعد انقطاع طويل. لم تكن الخيمة فصلاً مثالياً، لكنها كانت كافية لتعيد إليها شيئًا من طفولتها المسروقة.
وقفت في مقدمة الصف، تنتظر أن يصحح المعلم دفترها. كانت قريبة جدًا من لحظة صغيرة من الفرح… حين اخترقت رصاصة كل شيء.
لم يسمع أحد صوتها بعدها.
سقط القلم من يدها، واستقرت الحروف التي كتبتها على الصفحة الأخيرة، مغموسة بدمها. كانت قد كتبت قبل لحظات: “قريتنا نظيفة”. جملة بسيطة، تشبه أحلام الأطفال، لكنها بدت كأنها تصطدم بواقعٍ لا يشبهها.
يقول والدها عبد الرؤوف، بصوتٍ مكسور:
“راحت ريتاج… وما كملت واجبها”.
ثم يصمت، كأن الكلمات لم تعد قادرة على حمل هذا الفقد.
لم يرَ ابنته إلا وهي غارقة بدمها. صباحٌ أوصلها فيه إلى المدرسة على قدميها، وعادت منه محمولةً بلا حياة. كان يظن أن عودتها للتعليم ستعيد إليها ما سرقته الحرب، لكن الطريق القصير إلى الخيمة تحوّل إلى الرحلة الأخيرة.
في مستشفى كمال عدوان، وقف الأب أمام كفنها، يتأمل خصلات شعرها التي لوّنتها الدماء. لم يكن يصدق أن تلك الطفلة التي خرجت تضحك، عادت صامتة إلى الأبد.
“كانت تحب المدرسة… كانت ذكية… ماذا فعلت ليقتلوها؟” يسأل، دون انتظار إجابة.
في الخيمة التي كانت بيتهم، تحوّل الصمت إلى بكاءٍ لا ينتهي. الأم تحتضن ملابس ابنتها، تناديها بلا وعي، كأن الصوت قد يعيدها. حولها نسوة يحاولن التخفيف، لكن الفاجعة أكبر من المواساة.
ريتاج تكن طفلة عادية في نظر عائلتها؛ جاءت بعد سنوات من الانتظار والعلاج، كأنها معجزة صغيرة في حياة والديها. لهذا، كان فقدها مضاعفًا… كأن الحلم نفسه قُتل.
شقيقها الصغير، الذي لم يفهم معنى الموت بعد، يبحث عنها بين الزوايا، يسأل، ويبكي. لا يدرك أن الرصاصة التي اخترقت جسدها، اخترقت أيضًا طفولته.
في مكان الحادث، بقيت الخيمة خالية. المقاعد الخشبية صامتة، والدفاتر مبعثرة، وآثار الدم ما زالت شاهدة. كل شيء توقف فجأة، كأن الزمن نفسه فزع وهرب مع الأطفال.
لم تكن ريتاج سوى واحدة من آلاف القصص التي تُروى في غزة، حيث تتحول أبسط تفاصيل الحياة إلى خطر: دفتر، مقعد، خيمة… وحتى حلم صغير بكتابة واجب مدرسي.
انتهت رحلتها بعد أربعة أيام فقط من عودتها إلى التعليم. لكن ما لم ينتهِ، هو السؤال الذي تركته خلفها:
كيف يمكن لطفلة أن تُقتل… لأنها كانت تتعلم؟