الدفع الإلكتروني في غزة: بين ضرورة البقاء ومخاطر الانهيار

الرسالة نت - خاص


لم يعد المال في قطاع غزة مجرد وسيلة للتبادل، بل أصبح بحد ذاته أزمة يومية يعيشها السكان بتفاصيلها الصغيرة قبل الكبيرة، فالنقد لم يعد متوفرا كما كان والأوراق المتداولة باتت في كثير من الأحيان تالفة أو غير صالحة للاستخدام، بينما تحوّلت الفكة إلى معضلة تعيق أبسط عمليات البيع والشراء.

في هذا المشهد المعقد، لم يأتِ التحول نحو الدفع الإلكتروني كخيار حديث أو خطوة نحو التطور، بل كحل اضطراري فرضته ندرة النقد وصعوبة تداوله.

ومع غياب البدائل التقليدية، وجد الغزيون أنفسهم يتجهون بسرعة نحو المحافظ الرقمية والتطبيقات البنكية لتسيير شؤونهم اليومية.

وخلال فترة قصيرة، أصبح الهاتف المحمول أداة مالية أساسية، تستخدم في شراء الحاجيات ودفع أجرة المواصلات وتسوية الالتزامات المختلفة. إلا أن هذا التحول السريع، رغم ضرورته يثير تساؤلات عميقة حول مدى قدرة البنية التحتية التقنية والمصرفية في غزة على مواكبته، وما إذا كان يمثل حلا فعليا للأزمة أم مجرد انتقال من شكل من المعاناة إلى آخر.

أزمة تمتد
وتعود جذور أزمة السيولة النقدية في قطاع غزة إلى أكثر من عامين ونصف، حيث يعاني القطاع من نقص حاد في الأوراق النقدية، نتيجة القيود المفروضة على إدخال الأموال النقدية.

ويأتي ذلك في ظل تحكم سلطات الاحتلال في المعابر ما أدى إلى منع تدفق "الكاش" إلى داخل القطاع.
هذا الواقع أدى إلى تآكل الكتلة النقدية المتداولة تدريجيا، حيث باتت الأوراق النقدية القديمة والتالفة تشكل نسبة كبيرة من الأموال المتاحة، دون وجود بديل كافٍ لتعويضها.

كما ازدادت حدة الأزمة مع استمرار الطلب على النقد في المعاملات اليومية، خاصة في ظل اقتصاد يعتمد بشكل كبير على التداول النقدي.

ومع مرور الوقت، لم تعد المشكلة تقتصر على نقص السيولة فحسب، بل تطورت إلى أزمة مركبة تمس مختلف جوانب الحياة الاقتصادية. فقد أصبح الحصول على الفكة تحديا يوميا، وارتفعت تكلفة التعامل النقدي بشكل غير مباشر، سواء من خلال الخصومات أو صعوبة إتمام المعاملات.

في هذا السياق، وجد المواطنون والتجار أنفسهم مضطرين للبحث عن بدائل، فكان التوجه نحو الدفع الإلكتروني أحد أبرز الحلول التي فرضها الواقع. إلا أن هذا التحول جاء في بيئة غير مهيأة بالكامل، ما جعله يحمل في طياته تحديات جديدة، تضاف إلى سلسلة الأزمات التي يعيشها القطاع.

ورغم الفوائد الواضحة للدفع الإلكتروني، مثل تقليل الحاجة إلى النقد وتسهيل عمليات الدفع، إلا أن التطبيق العملي كشف عن تحديات كبيرة، فالمواطن في غزة أصبح يعتمد بشكل شبه كامل على توفر الإنترنت لإتمام معاملاته اليومية، وهو أمر غير مضمون في ظل ضعف البنية التحتية للاتصالات.

فالانقطاعات المتكررة في الإنترنت وتعطل أنظمة التحويل وتأخر وصول الحوالات، كلها عوامل تجعل من تجربة الدفع الإلكتروني تجربة غير مستقرة.

إضافة إلى ذلك، يواجه المستخدمون قيودا على سقف التحويلات اليومية، ما يحد من قدرتهم على استخدام هذه الوسائل بحرية.

فقد يجد المواطن نفسه غير قادر على إتمام عملية شراء بسيطة، فقط لأنه تجاوز الحد المسموح للتحويل في ذلك اليوم. هذا الأمر يحول وسيلة يفترض أن تكون ميسرة إلى

مصدر ضغط وإرباك.

وتعكس تجارب المواطنين هذا الواقع بشكل واضح، فالكثيرون يشيرون إلى أن المحافظ الإلكترونية أصبحت جزءا لا يتجزأ من حياتهم اليومية، لكنها في الوقت نفسه أضافت طبقة جديدة من التعقيد.

فبدلا من تسهيل المعاملات، أصبحت بعض العمليات تستغرق وقتا أطول بسبب المشاكل التقنية أو ضعف الاتصال، ما ينعكس سلبا على جودة الحياة اليومية.
فجوة كبيرة

ولا تقتصر هذه التحديات على الأفراد، بل تمتد إلى قطاعات حيوية مثل قطاع المواصلات. فالسائقون، الذين يعتمدون بشكل متزايد على الدفع الإلكتروني بسبب نقص الفكة، أصبحوا عرضة لتوقف عملهم بالكامل في حال حدوث أي خلل تقني.

إذ إن تعطل المحفظة الإلكترونية أو ضعف الشبكة يعني ببساطة عدم القدرة على استقبال الأجرة من الركاب، وبالتالي خسارة يوم عمل كامل.

كما يعاني الركاب بدورهم من تأخيرات ناتجة عن بطء عمليات التحويل أو تعطلها، ما يؤدي إلى تأخير وصولهم إلى وجهاتهم، وهذا يوضح أن المشكلة لم تعد تقنية فحسب بل أصبحت تمس بشكل مباشر مصادر الدخل واستقرار الحياة اليومية.

ومن الناحية الاقتصادية، تكشف هذه التحديات عن فجوة واضحة بين الحاجة المتزايدة لاستخدام الدفع الإلكتروني وقدرة الأنظمة الحالية على تلبية هذه الحاجة.

فغياب بنية تحتية قوية ومرنة يجعل من هذا التحول عبئا إضافيا بدل أن يكون حلا للأزمة، كما أن الاعتماد على نظام غير مستقر قد يؤدي إلى فقدان الثقة به على المدى الطويل، وهو ما يشكل خطرا حقيقيا على استدامته.

ولمواجهة هذه التحديات، تبرز مجموعة من الحلول التي يمكن أن تسهم في تحسين تجربة الدفع الإلكتروني في غزة. من أبرزها رفع سقف التحويلات اليومية بما يتناسب مع احتياجات المواطنين وتوفير نقاط إنترنت مجانية في الأسواق والأماكن الحيوية لضمان استمرارية الخدمة.

كما أن تطوير تقنيات دفع تعمل دون الحاجة إلى اتصال دائم بالإنترنت قد يشكل نقلة نوعية في هذا المجال.

إلى جانب ذلك، من الضروري العمل على تحسين كفاءة الأنظمة الإلكترونية وتقليل الأعطال من خلال الاستثمار في البنية التحتية التكنولوجية وتحديث الأنظمة المصرفية. كما يمكن تعزيز التوعية لدى المستخدمين حول كيفية التعامل مع هذه الوسائل بشكل آمن وفعال.