غادرت زينب جربوع مدينة رفح، مثلها كآلاف النازحين الذين اضطروا لترك بيوتهم تحت القصف، واستقروا في خيام مؤقتة في مناطق مثل المواصي ودير البلح.
اليوم تقيم زينب في دير البلح داخل خيمة تفتقد إلى أبسط مقومات الحياة، لكن قصتها لا تشبه غيرها كثيرًا، فمعاناة النزوح لديها تتقاطع مع إعاقة مضاعفة وظروف صحية معقّدة.
قبل سبع سنوات، أُصيبت زينب بمرض أدّى إلى بتر قدمها، وهي متزوجة من رجل مقعد، يعيشان معًا تفاصيل يومية قاسية داخل مساحة ضيقة لا تحتمل احتياجاتهما.
يتقاسمان كرسيًا متحركًا واحدًا؛ حين تذهب زينب إلى الطبيب تأخذه معها، وحين يخرج زوجها إلى عمله يأخذه هو. يعمل الزوج ضمن فرق ترفيهية تقدّم أنشطة للأطفال وكبار السن، لكن الحرب جعلت هذا العمل غير مستقر، كما جعلت حياتهما الصحية والاجتماعية والمادية أكثر هشاشة.
زينب، وهي أم لطفلين يبلغان 14 و12 عامًا، تستعيد حياتها قبل النزوح كشيء بعيد، تقول إنها كانت تعيش بشكل طبيعي، تخرج متى شاءت وتعود متى أرادت، برفقة زوجها وأبنائها. أما اليوم، فحتى أبسط تفاصيل الحياة أصبحت عبئًا. في الخيمة، ومع وجود كرسي متحرك واحد فقط، لم يعد التنقل أمرًا ممكنًا بسهولة، بل صار تحديًا يوميًا يفرض عليها البقاء في حدود ضيقة.
تحتاج زينب إلى رعاية طبية خاصة وأدوية مستمرة ليديها، خوفًا من أن تتدهور حالتهما كما حدث مع قدمها. في المقابل، يصف زوجها الواقع بأنه "معاناة لا توصف"، حيث تتفاقم الظروف داخل الخيمة بين حر الصيف وبرد الشتاء، في ظل غياب أي بنية مناسبة لذوي الإعاقة. ومع تسع مرات نزوح متتالية، أصبحت العائلة أكثر إنهاكًا، وأكثر عرضة لمخاطر صحية ونفسية متزايدة.
لا تتحدث زينب عن الألم فقط، بل عن فقدان القدرة على عيش حياة عادية. أما زوجها، فيختصر أمنيته في مطلب بسيط: أن يكون هناك مكان أو برنامج مخصص لذوي الاحتياجات الخاصة، يراعي ظروفهم في ظل هذه الحرب، ويوفر لهم الحد الأدنى من الكرامة والرعاية.
في خيمة صغيرة بدير البلح، تختصر زينب حكاية مضاعفة من المعاناة؛ نزوح مستمر، وإعاقة بلا دعم، وحياة مؤجلة بانتظار ما قد يأتي.
زينب جزء من واقع أوسع يتفاقم مع استمرار الحرب. فبحسب تقديرات رسمية، كان يعيش في قطاع غزة قبل الحرب نحو 58 ألف شخص من ذوي الإعاقة، أي ما يقارب 2.6% من السكان ، فيما تشير تقديرات حقوقية إلى أن العدوان خلّف ما يصل إلى 12 ألف حالة إعاقة جديدة نتيجة الإصابات والقصف
ومع تزايد أعداد الجرحى، سُجّلت أكثر من 26 ألف إصابة خطيرة غيّرت مجرى حياة أصحابها، بينها آلاف حالات البتر، في ظل نظام صحي منهك ، بينما تكشف تقارير عن بتر أطراف أكثر من 10 أطفال يوميًا في الأشهر الأولى من الحرب .
وبين هذه الأرقام، تصبح حكاية زينب وزوجها صورة مكثفة لحياة كاملة تُدار بكرسي واحد، في مكان لا يتسع أصلًا للنجاة.