أُفرج عن الصحفي معاذ عمارنة بعد اعتقال دام لسبعة أشهر، بعد سنوات من إصابته برصاصة قناص أفقدته عينه اليسرى. خرج هذه المرة بجسدٍ أكثر إنهاكًا، وبعينٍ واحدة تحاول أن تتمسك بما تبقى من الضوء، بعد أن تراجعت حالته الصحية بشكل ملحوظ داخل السجن نتيجة نقص العلاج وشحه.
يقول عمارنة إن هذه الأشهر كانت الأقسى في حياته، لا بسبب ألمه الشخصي فقط، بل لأنه كان شاهدًا يوميًا على معاناة الأسرى من حوله. يروي أن الشتاء مرّ عليهم قاسيًا إلى حدّ التجمد، حيث تُسحب الأغطية والفرش منذ ساعات الفجر، ويُجبرون على الجلوس على أرضٍ باردة لا ترحم. يضيف أن الضرب كان يوميًا، دون سبب واضح، وأن الاقتحامات الليلية للزنازين كانت روتينًا مرعبًا، يُوقظون على إثرها من النوم ليُعتدى عليهم مرة أخرى.
داخل تلك الزنازين، لم يكن الزمن يُقاس بالساعات، بل بكمية الألم المتراكم في الجسد. ومع كل يوم، كانت حالته الصحية تتراجع أكثر، وعينه المتبقية تدخل دائرة الخطر، في ظل حرمانه من العلاج والرعاية اللازمة. يقول إن ما تعرض له لم يكن حالة فردية، بل صورة مكثفة لما يعيشه الأسرى يوميًا.
قبل سنوات، حين كان يحمل كاميرته ويقترب من الحدث، لم يكن يتوقع أن تتحول عينه إلى هدف. في تلك اللحظة التي أصيب فيها، لم يفقد بصره فقط، بل دخل في مسار طويل من الألم والعلاج. ومع ذلك، لم يتوقف عن الشهادة. ظلّ يرى بعينٍ واحدة ما يعجز كثيرون عن رؤيته بعينين.
في السجن، بدا وكأن تلك العين أيضًا مستهدفة، ليس برصاصة هذه المرة، بل بالإهمال. تدهورت حالته تدريجيًا، حتى أصبح الإفراج عنه ضرورة صحية قبل أن يكون إجراءً قانونيًا.
اليوم، وهو خارج الزنزانة، لا تبدو الحرية مكتملة. جسده لا يزال يحمل آثار الاعتقال، وعينه تحتاج إلى متابعة عاجلة، لكن صوته خرج أقوى. لم يتحدث عن نفسه فقط، بل حمل معه حكايات من بقوا هناك، في البرد، على الأرض، تحت وطأة الضرب والاقتحام.
قصة معاذ عمارنة ليست مجرد سيرة صحفي أصيب ثم اعتُقل، بل شهادة حيّة عن ثمن نقل الحقيقة. حاولوا أن ينتزعوا منه القدرة على الرؤية، لكنه خرج برؤيةٍ أشد وضوحًا، وكأن ما فقده من بصر، عوّضه بقدرة أكبر على الشهادة.
في ظل هذه الشهادات، تكشف الأرقام حجم المأساة داخل السجون؛ إذ يُقدَّر عدد الأسرى الفلسطينيين اليوم بأكثر من 9,000 أسير، بينهم ما يزيد عن 3,500 معتقل إداري محتجزين دون تهمة أو محاكمة. ويشكّل المرضى نسبة مقلقة، حيث سُجّل وجود أكثر من 700 أسير مريض، بينهم عشرات الحالات الخطيرة والمزمنة، في وقت يُحرم فيه كثيرون من العلاج اللازم. كما يقبع في السجون نحو 200 طفل، إضافة إلى نساء أسيرات يعانين ظروفًا قاسية مشابهة.
ومنذ أكتوبر 2023، ارتفعت وتيرة الاعتقالات بشكل غير مسبوق، مع توثيق آلاف حالات الاحتجاز الجديدة، إلى جانب تصاعد الانتهاكات اليومية من اقتحامات وضرب وحرمان من الاحتياجات الأساسية. وتشير تقارير حقوقية إلى تسجيل حالات وفاة داخل السجون خلال الفترة الأخيرة نتيجة الإهمال الطبي وسوء المعاملة، في ظل غياب أي رقابة دولية فاعلة.
هذه الأرقام لا تعكس مجرد إحصاءات، بل ترسم صورة مكثفة لواقعٍ يوميّ يعيشه الأسرى، حيث يتحول الاعتقال من إجراء مؤقت إلى معاناة مفتوحة، تتجاوز الجدران لتصل إلى عائلاتهم وحياتهم بأكملها.