صعّدت سلطات الاحتلال الإسرائيلي من إجراءاتها في محيط خربة السروج، الواقعة غرب جنين، بين بلدتي اليامون والعرقة، في خطوة جديدة تهدف إلى فرض واقع استيطاني على الأرض، عبر المصادقة على الاستيلاء على مساحات واسعة من أراضي المواطنين، تمهيدًا لإقامة مستوطنة جديدة في المنطقة.
وشهدت الخربة، صباح السبت، اقتحامًا نفذه عدد من المستعمرين بحماية مشددة من قوات الاحتلال، في مشهد بات يتكرر بوتيرة متسارعة في مناطق شمال الضفة الغربية. ويأتي هذا الاقتحام عقب قرار رسمي بالاستيلاء على أراضي المنطقة، دون إعلان واضح عن المساحة الإجمالية المصادرة، وسط تقديرات ميدانية تشير إلى شمول القرار كامل محيط الخربة.
على الأرض، لم يتأخر تنفيذ القرار؛ إذ شرعت جرافات الاحتلال بتجريف مساحات تتجاوز 200 دونم، واقتلعت ما لا يقل عن 2000 شجرة زيتون، إلى جانب تدمير بنى زراعية أساسية تشمل خزانات مياه وآبارًا وبركسات يستخدمها المواطنون في تربية المواشي. هذه الإجراءات، وفق مصادر محلية، لا تستهدف الأرض فقط، بل تضرب بشكل مباشر مقومات الحياة الزراعية والاقتصادية للسكان.
تدمير ممنهج لمصادر الرزق
رئيس مجلس قروي العرقة، محمد العرقاوي، وصف ما جرى بأنه "تصعيد غير مسبوق"، موضحًا أن قوة عسكرية كبيرة، مدعومة بعشر جرافات وآليات تابعة لما يسمى بالتنظيم الإسرائيلي، اقتحمت المنطقة بشكل مفاجئ، وبدأت عمليات اقتلاع وتدمير دون سابق إنذار.
وأشار العرقاوي في تصريحات صحفية إلى أن الاحتلال يتعمد إفقار المواطنين عبر استهداف مصادر دخلهم الأساسية، وعلى رأسها الزراعة، حيث تشكل أشجار الزيتون والأشجار المثمرة العمود الفقري للاقتصاد المحلي. وأضاف أن نحو 500 دونم مزروعة بالأشجار باتت مهددة بالتجريف الكامل، ما ينذر بكارثة اقتصادية حقيقية.
وتأتي هذه التطورات في ظل أوضاع اقتصادية صعبة تعيشها القرية، خاصة بعد فقدان عدد كبير من العمال مصادر رزقهم داخل الخط الأخضر، ما دفعهم للاعتماد بشكل أكبر على الزراعة. وبالتالي، فإن تدمير هذا القطاع يعني، بحسب العرقاوي، "تدمير الحياة بالمعنى الحرفي".
"وين نروح؟" سؤال بلا إجابة
في مشهد يلخص المأساة الإنسانية، يروي المواطن أحمد أبو الهيجا تفاصيل اللحظات الأولى للاقتحام، قائلاً إن قوات الاحتلال أبلغتهم بضرورة إخلاء منازلهم تمهيدًا لهدمها، في إطار “عمليات توسعة” في المنطقة.
أبو الهيجا، الذي تعود أصول عائلته إلى قرية عين حوض المهجرة عام 1948، يؤكد أن عائلته تقيم في خربة السروج منذ ذلك التاريخ، ولا تملك مكانًا آخر تلجأ إليه. ويضيف بحرقة: “إذا خرجنا من هذه الأرض، لا يوجد أي مكان نذهب إليه… وين نروح؟”.
ويقطن في المنطقة نحو 10 منازل تعتمد بشكل أساسي على الزراعة وتربية المواشي، وقد فقدت بالفعل جزءًا كبيرًا من أراضيها المزروعة في فترات سابقة، ما يجعل التهديد الحالي امتدادًا لسياسة طويلة من التضييق والاقتلاع.
أهمية الموقع واستهدافه
من جهته، أوضح رئيس بلدية اليامون، نايف خمايسة، أن خربة السروج تبعد نحو 3 كيلومترات عن مركز البلدة، وتُعد امتدادًا زراعيًا حيويًا لها، حيث تنتشر فيها مزارع الدواجن والأغنام. كما تقع على مسافة قريبة لا تتجاوز 500 متر من جدار الضم والتوسع، ما يزيد من أهميتها الاستراتيجية.
وبيّن خمايسة أن مساحة الخربة تُقدّر بنحو 4 آلاف دونم، معظمها مصنفة كأراضي “خزينة دولة” وفق التصنيف الإسرائيلي، وهو ما تستغله سلطات الاحتلال لفرض سيطرتها. وأضاف أن الإخطارات الأولى بهدم المنشآت واقتلاع الأشجار سُلّمت قبل نحو 9 أشهر، في مؤشر على تخطيط مسبق لهذه العملية.
ووفق المعطيات المحلية، فإن الأراضي المستهدفة تبلغ مساحتها نحو 500 دونم، وتحتوي على أكثر من 5 آلاف شجرة، تم اقتلاع جزء كبير منها خلال فترة قصيرة، في مشهد يعكس حجم الخسارة الزراعية والبيئية.
رسالة صمود رغم التصعيد
رغم حجم الدمار، يؤكد الأهالي تمسكهم بأرضهم، حيث شدد خمايسة على أن السكان "باقون وصامدون"، داعيًا المؤسسات الوطنية والدولية إلى التحرك العاجل للضغط على إسرائيل لوقف عمليات الاستيلاء.
وفي ظل هذا التصعيد، تبدو خربة السروج نموذجًا مصغرًا لما تواجهه مناطق واسعة في الضفة الغربية، حيث تتقاطع السياسات الاستيطانية مع واقع اقتصادي هش، لتنتج معادلة قاسية يدفع ثمنها المواطن الفلسطيني يوميًا: أرض تُسلب، ومصدر رزق يُدمر، وسؤال مفتوح بلا إجابة… "أين نذهب؟.