في مشهد بدا للوهلة الأولى عاديًا أو حتى إنسانيًا، نشر الجندي والناشط الإسرائيلي إلخانان شكولنيك صورة له وهو يحتضن طفله الرضيع، مرتديًا بزته العسكرية، مرفقًا إياها بتعليق عاطفي يتحدث فيه عن "تأمين مستقبل ابنه". غير أن هذه الصورة، التي حاول صاحبها تقديمها كرسالة أبوية مؤثرة، سرعان ما تحولت إلى محور جدل واسع، بعدما لفت ناشطون الانتباه إلى تفصيلة في خلفية المشهد قلبت المعنى بالكامل، وفتحت بابًا واسعًا للتساؤلات الأخلاقية والقانونية.
ففي خلفية الصورة، ظهرت لوحة معلقة على الجدار تحمل آية قرآنية واضحة: "وقل رب زدني علماً"، مكتوبة بخط عربي تقليدي. هذا التفصيل الصغير أثار موجة انتقادات، إذ اعتبر كثيرون أن وجود قطعة تحمل طابعًا دينيًا وثقافيًا إسلاميًا داخل منزل جندي إسرائيلي، خاصة من تيار يميني متطرف، لا يمكن تفسيره إلا في سياق الاستيلاء على ممتلكات فلسطينية.
وبحسب مراقبين، فإن هذه الواقعة لا يمكن فصلها عن سياق أوسع، يتمثل في تزايد التقارير التي توثق عمليات نهب وسرقة ينفذها جنود الاحتلال داخل منازل الفلسطينيين، سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية، خلال العمليات العسكرية. ورجحت مصادر أن تكون اللوحة قد أُخذت من أحد المنازل التي تعرضت للاقتحام أو القصف، في ظل نمط متكرر من توثيق الجنود أنفسهم لعمليات استحواذ على مقتنيات خاصة.
من حادثة فردية إلى ظاهرة متكررة
لم تعد مثل هذه الوقائع تُصنّف كحوادث فردية معزولة، بل باتت تُشير إلى ظاهرة أوسع، مدعومة بعشرات الصور ومقاطع الفيديو التي انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتظهر جنودًا وهم يتجولون داخل منازل فلسطينية، أو يعرضون مقتنيات أخذوها من تلك المنازل، من مجوهرات وأموال إلى أدوات موسيقية وتحف شخصية.
وفي هذا السياق، وثّقت تقارير متعددة قيام جنود ببيع هذه المقتنيات عبر منصات إلكترونية. ففي إحدى الحوادث التي أثارت جدلاً واسعًا، عُرض غيتار للبيع على أحد مواقع التسوق مقابل 450 شيكل، مع وصفه بأنه “غيتار من غزة”، وهو ما أثار موجة استنكار قبل أن يتم حذف الإعلان لاحقًا.
كما تشير شهادات من داخل الجيش الإسرائيلي إلى وجود “ثقافة متسامحة” مع هذه الأفعال، خاصة بعد تصاعد العمليات العسكرية. أحد الجنود، ويدعى عومير، قال في تصريح صحفي إن هناك شعورًا متزايدًا بأن "كل شيء أصبح مباحًا" بعد السابع من أكتوبر، مضيفًا أن بعض الجنود يبررون أخذ الممتلكات باعتبارها "حقًا" أو "ردًا" على ما جرى.
اقتصاد خفي للنهب
الأمر لا يتوقف عند حدود الاحتفاظ بالمقتنيات كتذكارات، بل يتعداه إلى وجود سوق غير رسمية لتصريف هذه المسروقات. وتشير المعطيات إلى أن تطبيق “تيليغرام” أصبح منصة رئيسية لبيع هذه المواد، من خلال مجموعات مغلقة يصعب الوصول إليها، حيث تُعرض مجوهرات وساعات ثمينة، بل وحتى أسلحة وذخائر.
ويؤكد مشاركون في هذه الشبكات أن عملية البيع تتم بسرية نسبية، وغالبًا ما تُعرض القطع على أنها "تذكارات من الميدان"، رغم أن تداولها العلني قد يعرّض أصحابها للمساءلة القانونية. وتشير شهادات إلى أن بعض الجنود لا يخفون مصدر هذه المقتنيات، بل يتفاخرون بها في محيطهم الشخصي.
"الغنيمة" كغطاء مفاهيمي
في محاولة لتبرير هذه الممارسات، يتم أحيانًا استخدام مفهوم “الغنيمة” كإطار نظري، وهو مفهوم له جذور تاريخية ودينية في سياقات الحروب القديمة. ووفق دراسة أعدها الباحث وليد حباس لصالح مركز "مدارات"، فإن إسرائيل تسعى إلى إعادة صياغة هذا المفهوم بلغة حديثة، عبر تقديم عمليات الاستيلاء على الأموال والممتلكات باعتبارها “تكتيكًا عسكريًا” يهدف إلى حرمان الخصم من موارده.
وتشير الدراسة إلى أرقام لافتة، حيث تم الاستيلاء على أكثر من 10 ملايين شيكل في ديسمبر 2023، و15 مليون شيكل في يناير 2024، و25 مليون شيكل في فبراير من العام نفسه، إلى جانب كميات كبيرة من الذهب والمجوهرات. وفي المقابل، تروج الرواية الإسرائيلية بأن هذه العمليات تستهدف “أموال العدو”، وليس ممتلكات المدنيين.
بل إن بعض العمليات تم تسويقها على أنها "إنقاذ" لأموال من الوقوع في أيدي فصائل المقاومة، كما حدث في واقعة تتعلق بمحاولة إخراج 200 مليون شيكل من أحد البنوك في قطاع غزة. غير أن هذا الخطاب يواجه تشكيكًا واسعًا، خاصة في ظل توثيق عمليات نهب من منازل خاصة ومتاجر مدنية.
بين القانون والتطبيق
من الناحية القانونية، يُعد النهب جريمة واضحة بموجب القانون الدولي. إذ تحظر المادة 28 من لوائح لاهاي، والمادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة، بشكل صريح، الاستيلاء على الممتلكات الخاصة في سياق النزاعات المسلحة. كما يُصنف نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية النهب كجريمة حرب.
حتى في القانون الإسرائيلي، ينص قانون القضاء العسكري على عقوبات تصل إلى عشر سنوات سجن بحق الجنود الذين يثبت تورطهم في أعمال نهب. غير أن الواقع العملي يشير إلى تساهل كبير في تطبيق هذه العقوبات، حيث غالبًا ما لا تتجاوز الأحكام بضعة أشهر.
ويعزو مراقبون هذا التفاوت بين النص والتطبيق إلى ضعف آليات المساءلة، وغياب الرقابة الفعالة داخل المؤسسة العسكرية، فضلًا عن مناخ عام يبرر أو يتغاضى عن هذه الممارسات في سياق الحرب.
في ضوء كل ما سبق، لم تعد صورة الجندي مع طفله مجرد لقطة عائلية عابرة، بل تحولت إلى رمز مكثف لواقع أكثر تعقيدًا. فالتفصيلة الصغيرة التي ظهرت في الخلفية، فتحت نافذة على ممارسات أوسع، تتعلق بالاستحواذ على ممتلكات الآخرين، وتطبيع هذا السلوك داخل سياق عسكري.
كما أعادت هذه الواقعة إلى الواجهة نقاشات أعمق حول العلاقة بين القوة والملكية، وبين الحرب والأخلاق، خاصة عندما تتحول ممتلكات المدنيين إلى"غنائم"، وتُعرض كجزء من سردية الانتصار.