المشاريع الإسكانية .. حرب على التعديات والحصار

الرسالة نت  - محمد أبو قمر

تملكت الفرحة قلب المواطن رامي محمود عندما أدرج اسمه ضمن قائمة المستفيدين من المشاريع الإسكانية التي أعلنت عنها وزارة الأشغال العامة بغزة مؤخرا.

وتعلق أسرة محمود آمالا كبيرة -كغيرها من آلاف الأسر- على استئناف المراحل المتقدمة من المشاريع التي من المقرر أن توفر ستا وعشرين ألف وحدة تأوي بين جنباتها مئة وسبعين ألف شخص.

وفي حين أبدى المواطنون المستفيدون من المشاريع ارتياحهم لإقدام الحكومة على تلك الخطوة فإنهم يأخذون عليها تسليم بعض القسائم رغم عدم اكتمال تسوية أراضي المشاريع، وتعدي مواطنين على جزء منها، وغياب البنية التحتية التي تحتاج مزيدا من الوقت لإتمامها.

وتعد المشاريع الإسكانية خطوة نوعية على طريق محاربة التعديات المقامة على الأراضي الحكومية، واستغلال الأراضي المحررة لتقليص فجوة العجز الإسكاني المقدر بمئة ألف وحدة سكنية.

استمرار المشاريع

وزارة الأشغال العامة التي أجرت أكثر من قرعة وما زالت مستمرة لاختيار أسماء المستفيدين في جميع المشاريع المعلن عنها -أفراد، وجمعيات، وغير مخفضة الثمن- تقول على لسان وكيلها لشؤون التخطيط والتطوير المهندس ناجي سرحان إن إجمالي المشاريع التسعة التي خصصتها الحكومة للسكن والاستثمار تقدر مساحتها بألفين وسبعمئة وخمسين دونما.

وتعد المشاريع الإسكانية خطوة نوعية في استغلال أراضي المحررات التي انسحب منها الاحتلال قبل ستة أعوام، وكانت تشكل ما نسبته 32% من مساحة القطاع.ووفق سرحان -تحدث "للرسالة"- فإن وزارته سائرة في ثلاثة مشاريع حالية، "وهي البراق والإسراء جنوب القطاع، وبيسان في شماله قائمة على مساحة 2000 دونم فيما هناك 6 مشاريع صغيرة قيد الإعداد والتخطيط وتقدر مساحتها بسبعمئة وخمسين دونما فقط".

وحتى هذه الأيام استفاد 370 شخصا من القرعة التي جرت في حي البراق للأفراد، "ومئتان وخمسون شخصا جرى تخصيص أراض لهم في حي بيسان، فيما استفاد 95 شخصا من الأراضي غير مخفضة الثمن في حي الإسراء التي أجرت قرعتها مؤخرا"، والحديث يعود لسرحان.

ووضعت الحكومة مخططا تفصيليا للمدن السكنية التي ستقام في الأحياء المعلن عنها وتشمل مرافق عامة وطرق ومتنزهات.ومن المقرر أن تستفيد جميع شرائح المجتمع من المشاريع الإسكانية سواء أصحاب الدخل المحدود الذين أدرجت أسماؤهم ضمن الأراضي المخفضة للأفراد أو الجمعيات التعاونية بالإضافة إلى أصحاب الدخل المرتفع والمستثمرين الذين يستفيدون من الأراضي غير مخفضة الثمن، والأراضي المخصصة للاستثمار التي ستجري عليها القرعة في وقت لاحق.

ويشير وكيل وزارة الأشغال إلى أن القرعة الخاصة بالجمعيات الإسكانية التعاونية التي أنجزت إجراءاتها -المقدر عددها بخمسين جمعية- ستجري خلال أيام قليلة.

وستوفر المشاريع الإسكانية الحكومية ستا وعشرين ألف وحدة سكنية وذلك طبقا للمخطط الخاص بوزارة الأشغال العامة في الوقت الذي يحتاج فيه قطاع غزة ما يقارب مئة ألف وحدة سكنية لسد العجز المتراكم منذ أن فرض الاحتلال حصاره على غزة.

ويقول سرحان: "نحتاج 13000 وحدة سكنية سنويا لمعادلة النمو الديموغرافي، والنمو العمراني متوقف منذ ما يزيد عن أربع سنوات؛ مما زاد الفجوة في العجز الإسكاني".

وتأمل وزارة الأشغال أن تؤثر المشاريع على أسعار الأراضي المرتفعة، وتعمل على تخفيضها حتى لو بصورة جزئية، وذلك بعدما شهدت أسعار الشقق والأراضي ارتفاعا كبيرا.

ويقر سرحان بأن تلك المشاريع لن تهوي بأسعار الأراضي بصورة ملحوظة، "لكنها تحد من المشكلة بوضع أو بآخر".

وفي هذا السياق يقول رئيس سلطة الأراضي المهندس إبراهيم رضوان لـ"الرسالة": "نأمل أن يساعد توفير الأراضي في تخفيض ثمن الأراضي المرتفعة، ولاسيما أن زيادة الطلب على الأراضي المتاحة ضمن المشاريع الإسكانية يقلل من الطلب على الأراضي مما سيخفض من سعرها".

واتفق عدة سماسرة -استطلعت "الرسالة" آراءهم- على إمكانية أن تؤثر المشاريع الحكومية على أسعار الأراضي مستقبلا في حال اكتمل تسليم الأراضي وبناء الوحدات السكنية، ولكنهم أكدوا أنها لم تؤثر على الأسعار حتى هذه الأيام.

استلموا ولكن !!

المستفيدون من المشاريع الإسكانية أبدوا سعادتهم لإقدام الحكومة على هذه الخطوة، والتي من شأنها حل معضلة السكن لعدد كبير من الغزيين غير أنهم يأملون بسرعة إتمام مخطط الأحياء كي يتمكنوا من البناء.

محمد الشيخ عيد -المستفيد من تخصيص أرض حكومية مخفضة الثمن- استلم قسيمته القائمة على مساحة 288 مترا في حي البراق منذ شهر تقريبا، ولكنه قال إن أرضه قائمة على طريق عام مقام حاليا، وأوضح: "البلدية أكدت أن الطريق سيزال بعد فترة وجيزة أو عند اكتمال المشروع؛ ولهذا لن أتمكن من استخدام القطعة المخصصة لي في الوقت الحالي".

وفي الوقت الذي أبدى فيه الشيخ عيد أن آلية التقسيط المريحة فإنه يعتقد أن تسوية بقية الأرض وإيصال خدمات للمشروع سيستغرقان بعض الوقت، ويضيف: "رغم تقديري لإقدام الحكومة على مثل هذه المشاريع فإنه كان من الأفضل أن تنتهي من تسوية الأرض وتقسيمها وتخطيطها، وإزالة التعديات ثم إعلان القرعة".

ويثمن رامز حسونة -المستفيد من المشروع نفسه- خطوة الحكومة الهادفة لحل أزمة السكن، ولكنه أكد أن افتقار المنطقة للماء والكهرباء والخدمات حتى الآن لا يمكنه من زراعة الأرض أو البناء فيها".

ووفق حسونة فإن وزارة الأشغال أكدت له أن الخدمات ملقاة على عاتق بلدية خان يونس، مشيرا إلى أن ذلك يعني أن الخدمات ستستغرق وقتا حتى تصل الحي، "وذلك بعد انتهاء المشروع بأكمله".

وفي هذا الصدد يؤكد وكيل وزارة الأشغال ناجي سرحان أنهم خاطبوا البلديات والجهات المعنية للبدء في توفير البنية التحتية للمشاريع السكنية، مشيرا إلى أنها ستبدأ في ذلك، "لكنها ستأخذ بعض الوقت".

محمد زكريا الأغا -المدير العام لبلدية خان يونس التي يقع حيا الإسراء والبراق ضمن نفوذها- أكد لـ"الرسالة" وجود قرار من المجلس البلدي بوضع المخططات للبنية التحتية في الحيين.

وقال: "أرسلنا بالمخططات للجنة المركزية المشرفة على المشاريع الإسكانية للموافقة عليها، ولكن حتى الآن لم يجر الإيعاز لنا بالموافقة عليها أو إبلاغنا بالتعديلات، وما زلنا ننتظر ذلك".

تسوية وتعديات

وفي الوقت الذي تستمر فيه وزارة الأشغال بتخصيص الأراضي للمواطنين ما زالت بعض التعديات على حي البراق حاليا قائمة. وتحاول وزارة الأشغال بالمشاريع الإسكانية التصدي لظاهرة التعدي على الأراضي الحكومية.

وفي هذا يقول المهندس سرحان إن هناك جهودا تبذلها سلطة الأراضي بالتعاون مع وزارة الداخلية -وبالتنسيق مع "الأشغال" وبلدية خان يونس- لإزالة التعديات، مشددا على أنهم يزيلون التعديات ثم يسلمون الأرض للمستفيدين.

وأوضح سرحان أن وزارته تعمل على تسوية الأرض بإمكانات قليلة ومعدات متهالكة لسبب رفض الاحتلال إدخال معدات إلى غزة، "ورغم ذلك حققنا إنجازات في هذا الإطار وجرى تسوية مساحات كبيرة".

ويعزو سرحان الفارق الزمني ما بين إعلان التسجيل للمشاريع والقرع المعلنة إلى ضخامة المشاريع، "والوقت الطويل الذي تحتاجه الأرض للتسوية".

وأرجع إقدام وزارته على غربلة الأسماء بعد القرعة وليس قبلها لعدد المتقدمين الكبير الذي تجاوز 5000 لحي البراق فقط، "على سبيل المثال".

وقال وكيل الوزارة: "لو قررنا تدقيق بيانات جميع المتقدمين فهذا سيستغرق وقتا طويلا؛ لذلك قررنا إنجاز كل مرحلة على حدة لتسهيل العمل".

ويؤكد إبراهيم رضوان من جهته أن السبب في تأخر تسليم الأراضي بعد القرعة يعود لأن تسويتها لم تكتمل، وأشار إلى أن التسليم يكون بعد التسوية، لافتا إلى أنهم بدؤوا بإزالة التعديات المقامة على أراضي المشاريع، وأضاف: "نأخذ الأمر بحكمة دون أن نقع في مواجهة مع المتعدين".

وشدد رئيس سلطة الأراضي على أن أي متعد يجب أن يخرج من الأرض دون تعويض وذلك في حال تعديه بعد منتصف مايو من العام الماضي.

وذكر أنه من يحتاج لسكن عليه التوجه لوزارة الإسكان وتقديم طلب وفق الأصول، "وبإمكانه الاستفادة من المشاريع التي تطرحها الوزارة، ولا يحق له التعدي على أراضي الحكومة".

وتابع رضوان: "هناك آليات كثيرة لتوفير مسكن للمحتاجين، وفي الوقت نفسه لن نتساهل مع المتعدين، وسنزيل التعديات أيا كانت"، مشيرا إلى أن البعض تعدى بعد الحديث عن حكومة جديدة ستشكل عقب اتفاق المصالحة، معتقدين خطأ أن تغيير الحكومات سيغير السياسات.

نقص مواد البناء

ورغم ضخامة المشاريع الإسكانية المعلن عنها فإن ذلك يفتح سؤالا عن مدى ملاءمة مواد البناء المصرية لإتماما، ولاسيما أن الاحتلال يمنع دخول مستلزمات البناء إلى غزة منذ سنوات.

وفي هذا الإطار اعتمدت وزارة الأشغال العامة والإسكان على بعض مصانع الإسمنت التي تعمل بالمواصفات المطلوبة، ولكن سرحان أكد على أنه طالما لم تدخل مواد البناء من خلال المعابر الرسمية فيصعب مراقبتها والسيطرة عليها كليا.

ويعتقد أن المواد المتاحة في غزة ستحل جزءا من المشكلة، وقال: "نحاول بقدر الإمكان التغلب على العقبات التي يضعها الاحتلال بمنع مواد البناء، ولكن يجب أن يفك الحصار".

وفي القضية عينها يرى أسامة كحيل -رئيس اتحاد المقاولين الفلسطينيين- أنه بإمكان المواد الواردة عبر الأنفاق تخفيف احتياجات القطاع نوعا ما، "لكن لا يمكن الاعتماد عليها بالكامل لإتمام المشاريع الضخمة التي تقوم عليها وزارة الأشغال حاليا عبر بيع الأراضي للمواطنين".

وشدد كحيل على أنه لن يكون هناك إعمار وتنفيذ لمشاريع تلبي احتياجات المواطنين إلا في حال دخول مواد البناء عبر المعابر الرئيسة.

ولفت رئيس اتحاد المقاولين إلى أن المواد التي تمر عبر الأنفاق لا تخضع للفحوصات المخبرية، وأضاف: "لا نعلم هل هي مطابقة للمواصفات المطلوبة أم لا، وعندما نُقدم على أي مشروع ونفحص المواد المصرية نجدها أقل من النتائج المطلوبة؛ لذلك نضطر لتزويد الكميات لتعويض النقص في المواصفات؛ مما يزيد من تكلفة المشاريع".

وأوضح كحيل أنه من الممكن استخدام المواد القادمة عبر الأنفاق في مشاريع عاجلة، ولكنه أكد أن ذلك لن يحل المشكلة، وقال: "يجب أن تفتح معابرنا، ولنا الحق في دخول مواد البناء، و(إسرائيل) يسرها أن تفي مواد البناء الداخلة عبر الأنفاق بالغرض وذلك لتنفيذ مخططها بفصل غزة عن الضفة تجاريا".

ونوه إلى أن هدف الاحتلال من وراء منع مواد البناء سياسي بامتياز، وتابع: "نضغط على المانحين لضرورة دخول مواد البناء عبر المعابر التي يسيطر عليها الاحتلال، ولاسيما أن مواد الأنفاق مجهولة المصدر".

وما بين إصرار الحكومة على المضي بمشاريعها الإسكانية وتعليق المواطنين آمالهم عليها بعدما شكلت حلا لمعضلة السكن التي يعاني منها آلاف المواطنين يبقى الحصار يطبق فكيه على مواد البناء التي من شأنها أن تدير عجلة الإعمار في غزة.

وفي حال إتمام المشاريع الإسكانية سيشهد القطاع خلال العامين المقبلين نهضة عمرانية تشمل أحياء ومدنا جديدة.