المصالح (الإسرائيلية) والأمريكية في الميزان

هل يكون انهيار السلطة أشد وقعاً من تنحي مبارك؟

غزة – أحمد الكومي

عقب تنحي الرئيس المصري حسني مبارك عن الحكم الذي أمضى فيه 30 عاما ساد ارتياح دولي وعربي كبير باستثناء (إسرائيل) التي لم تصدق ما يجري للوهلة الأولى وأخذت تهوّن عليها "مصيبتها"؛ كونها ستودع "جارا طيبا" طالما سهر على راحتها وأغناها عن سؤال الغير طوال فترة حكمه.

وكان لزاما على الحكومة الإسرائيلية بعد ذلك أن ترضى بالواقع وتنظر لمصالحها بعيدا عن طبيعة الأشخاص، فكانت تحرص –والخوف يتملكها- على أن تكون علاقاتها مع القاهرة "سلمية" لإبقاء معاهدة السلام قيد التنفيذ بعدما أنعشت اقتصاد الكيان وأذلت المصريين.

وجاءت أزمة (إسرائيل) مع مصر بالتزامن مع الحديث عن توجه الفلسطينيين لنيل اعتراف بالدولة فيما يعرف بـ"استحقاق أيلول"، لتزداد بعدها دقات قلب الاحتلال خوفًا على مستقبله في المنطقة، وأخذ يهدد بفرض عقوبات على السلطة لهدف الضغط عليها والعودة لطاولة المفاوضات وإحياء عملية السلام المزعومة.

وبدأ التلويح بعدها في أكثر من موضع بإمكانية انهيار السلطة وإفلاسها في حال إخفاق التوصل إلى عملية تسوية في القريب العاجل، وهذا ما تخشاه (إسرائيل) بل تسعى لتجنبه، والتنبؤ بكل صغيرة وكبيرة قد تؤدي إلى ذلك.. لكن وإن تحقق فهل يكون أشد وقعا من تنحي مبارك، أم يكون حدثا عابرا على حكومة نتنياهو.. ولن تبالي بذلك؟.

عواقب وخيمة

الكاتب الفرنسي ومدير مكتب القناة الفرنسية الثانية في القدس "تشارلز أنديرلين" قال في أحد مقالاته الذي لاقى معارضة واسعة في الأوساط الإسرائيلية: "باستطاعة الكونغرس والحكومة الإسرائيلية الضغط على السلطة الفلسطينية لدرجة أن تعلن إفلاسها"، مستدركا: "لكن أي انهيار للسلطة سيؤدي إلى أزمة كبرى في الشرق الأوسط لن تقتصر عواقبها الوخيمة على (إسرائيل) بل تطال وضع الولايات المتحدة في المنطقة".

حركة فتح اعترفت بدورها أن انهيار السلطة –في حال تحقق- لن يكون في مصلحة (إسرائيل)، وقالت إن ذلك سيجبرها على تحمل مسؤولياتها باعتبار أنها دولة محتلة في المنطقة.

وقال "قدورة فارس" القيادي الفتحاوي لـ"الرسالة نت": "المسألة في غاية التعقيد، و(إسرائيل) هي المسؤولة عن ذلك، ولن يكون لها أي عذر في ظل غياب السلطة لأي إخفاق متوقع".

واقترح فارس حلولا ثلاث أمام الحكومة الإسرائيلية لتجنب مخاطر انهيار السلطة: أولها -الأخطر من وجهة نظره- طرد الفلسطينيين في الداخل المحتل، وهذا ما يتطلب حربا واسعة شبيهة بنكبة عام 1948، وفق وصفه.

والحل الثاني –طبقا لفارس- هو الاعتراف بحق الفلسطينيين في دولة وسيادة مستقلة بعيدا عن التجاوزات غير القانونية، "وثالث الحلول يكمن في ضم الفلسطينيين ضمن المناطق الإسرائيلية المحتلة وتحت مظلة الحكم الإسرائيلي".

وعلّق فارس على حديث الإعلامي الفرنسي أنديرلين بشأن تأثير انهيار السلطة على الولايات المتحدة، قائلا: "زوالها سيكون إخفاقا للسياسة الخارجية الأمريكية التي تسعى لخلق سلام عادل بين السلطة والاحتلال".

وكان الجيش الإسرائيلي قد استعد لمواجهة إعلان الدولة الفلسطينية في الجمعية العمومية للأمم المتحدة، ووضع سيناريوهات محتملة قد تعقب ذلك إحداها انهيار السلطة أمنيا، وسيناريو آخر هو زحف فلسطيني جماهيري نحو المستوطنات الإسرائيلية داخل الضفة.

وبالعودة إلى الوراء قليلا فقد صرح مسبقا رئيس الشاباك الإسرائيلي يوفال ديسكين أن البنية التحتية الأمنية للسلطة قد تنهار في غضون خمس دقائق إذا سقطت القيادة الفلسطينية في حال إخفاق المفاوضات.

وكان عباس قد حذر هو الآخر من أن سياسة (إسرائيل) ستدمر فرص تحقيق حل الدولتين، وتهدد بتقويض وضرب جهود السلطة، "بل تهدد بإنهاء وجودها"، على حد تعبيره.

مشروع تحرر

حركة حماس خرجت عن النص قليلا وشددت على أن السلطة بالضفة لم تعد مشروع تحرر، مؤكدة أنها تجاوزته وتحررت عنه.

وقال الدكتور عضو القيادة السياسية بحماس صلاح البردويل: "وظيفة السلطة باتت مقتصرة على توفير الخدمة الأمنية لـ(إسرائيل) والحفاظ على حالة الاستقرار في محيطها، والمواظبة على تحجيم المقاومة وضرب الروح الجهادية للفلسطينيين بالضفة".

وأضاف لـ"الرسالة نت": "انهيار السلطة سيكون ضربة للمشروع الصهيوني والهيمنة الأمريكية بالشرق الأوسط"، مستدركًا: "لكن لن (إسرائيل) تمارس ضغوطا عليها تصل إلى حد القتل".

وأوضح أن الضغوط الإسرائيلية ستصل إلى حد قيام السلطة بوظيفتها الأمنية فقط، والحذر من أن تتأثر بالربيع العربي، وتابع: "لا أعتقد أن تصل السلطة لحد الانهيار؛ فزوالها ليس بيد الفلسطينيين، وطالما أن هناك مصلحة في وجودها فلا شك في أن (إسرائيل) ستسعى جاهدة لحمايتها".

وختم البردويل قائلا: "إن كان لدى (إسرائيل) وأمريكا قرار بانهيار السلطة فسيكون هناك إطار بديل يحل مكانها، ويؤدي الوظيفة نفسها، وهذا مستبعد هذه الأيام".

وبالرجوع إلى حديث الإعلامي الفرنسي الذي وصفه الإعلام الإسرائيلي بأنه "محامي رئيس السلطة محمود عباس" لتحيزه للفلسطينيين، فقد رأى أن المصالح الأساسية للحكومة الإسرائيلية تكمن في إبقاء الوضع القائم على ما هو عليه؛ "فالاقتصاد الفلسطيني في تقدم، وأجهزة السلطة الفلسطينية تحافظ على الأمن".

وبما أن تنحي مبارك قد تحقق بعد إصرار شعبي لم يسبق له مثيل بعدما كان سقوطه خارج الحسبان ولم يخطر على بال بشر، فانهيار السلطة -هو الآخر- قد يكون على مرمى حجر خلافا لتوقعات حماس، "فللأرض من كل حي نصيب".. على رأي العرب.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير