حياة المكفوفين.. عتمة تنيرها البصيرة وتقهرها الارادة

غزة- أمل حبيب

حاول أن تغمض عينيك لدقائق معدودة .. بماذا تشعر الآن؟ اختناق .. خوف.. وماذا ترى؟ فقط ‏هو الظلام, لكن ماذا لو طلب منك أن تلعب دور البطل لإنسان كفيف؟

وقتها لابد لك أن تجالس انسانا يتخيل العالم من حوله بأنامله المتلمسة كل شيء .. يشعر بما ‏ترتاح له بصيرته .. ويتعرف على والديه من رائحتهما التي تمده بالأمان دوما..‏

إن شعرت للحظة أنه أعمى، فلن تكون بطل القصة الإنسانية، وأن شككت لبرهة في قدرته على ‏الإبداع والعطاء ستغضب الجمهور، وسينعتونك بالفاشل.‏

اتبع حدسك .. واعرف زملاءك من ملمس أيديهم.. ابتسم حينما تعبر الطريق وسط (زامور) السيارات التي لا ترحم, ولا تحزن حينما توصف بالأعمى، واعلم بأنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.

أن تلعب دور الكفيف ليس بالأمر السهل لأن الكفيف الحقيقي يتمتع بصبر لامحدود وعزيمة تقهر الظلمة، لا تبقي لليأس مكانا.. ولكن لا تقلق سنساعدك في التعمق أكثر في حياته من خلال وقفات (الرسالة) في حياة المكفوفين.

**باللمس والسمع تتخيل العالم

محطتنا الأولى كانت في حي الشجاعية للتعرف على الكفيفة رانيا جندية في أواخر العقد الثاني من العمر, كفيفة منذ الولادة لا تعلم عن عالمنا سوى الأصوات.. تعيش على التخيل فكل انسان من حولها له صورة مرسومة بداخلها.

جندية، خريجة قسم الشريعة الاسلامية من الجامعة الاسلامية، استقبلتنا في بيتها بعد أن امسكت بيدي وقالت وهي تبتسم : ما تخافي مش راح توهي وانت معي!.

جلسنا على فراش عربي وكان الفضول لدينا هو سيد الموقف, فأردنا أن نتعرف على كل تفاصيل حياتها دفعة واحدة ولكنها بدأت تدريجيا القول: بعرف كل اشي في الحياة (...)، أي شخص بقابلو أو مكان بزورو برسملو صورة عن طريق لمسي له".

اعترافها الأخير شجعنا لنسألها: ما هي الصورة التي رسمتها لمحدثتك؟ ومن دون انتظار أصاب تخيلها لنا بدرجة كبيرة.

ما أصعب أن يولد المرء دون أن تقر عيناه برؤية والديه اللذين لطالما أغدقا عليه من الحب والرعاية, جندية كانت تشعر بأنفاس والدتها وهي تضمها الى صدرها للرضاعة.. أحبت صوت أمها وهي تناديها باسمها.

وتقول رانيا ودمعتها تأبى أن تسقط حفاظا على كبريائها: أرسم لأمي صورة جميلة في مخيلتي (...) ان شاء الله أشوفها بالجنة هي ووالدي رحمه الله.

تتكون لدى الانسان المبصر الصور الذهنية في الذاكرة عن طريق النظر بينما يكون الكفيف الصور ويتخيل الأشياء من حوله عن طريق اللمس.

رانيا صاحبة البشرة القمحية كانت تتلمس بأناملها وجه الأم التي دعمتها وشجعتها على اكمال المسيرة التعليمية دون خوف, وتقول بكل ثقة: أهلي دعموني وأعطوني الثقة بنفسي, عندما يغيرون مكان الأشياء أو أثاث البيت يبلغوني (...) أشعر بالسعادة حينما تطلب منى أمي اعداد كوب من الشاي للزائرين أو عندما يلح أبناء اخوتي على تحضير قالب الكيك لهم.

من الجميل أن نتعامل مع انسان كفيف على أنه بصير نبتسم في وجهه, ونطلب منه أن يخدم نفسه والآخرين.

** من الألوان اختارت "الموف"

لا تستطيع جندية رؤية جمال الربيع ولكن أناملها تقدر على الاستمتاع بقطرات المطر , وبالرغم من أنها حرمت من معرفة عالم الألوان الا أنها اختارت اللون البنفسجي من بينها قائلة :" أحب اللون "الموف".. أتخيله هادئا ويدلل على الراحة النفسية ".

الكفيفة رانيا ترتدي جلبابا أسودا وتضع على رأسها حجابا ورديا وبعد ابداء اعجابنا بلباسها المتناسق , قالت :" اللون الأسود بليق على كل الألوان ".

أما بالنسبة للعصا البيضاء بينت لنا جندية بأنها لا تجد حرجا في استخدامها وخصوصا عند خروجها بمفردها بالرغم من تجمهر أطفال الحي حولها والتلفظ بكلمات قاسية لعدم وجود توعية بحقوق الكفيف بأنه كالمبصر.

وبدأت فكرة العصا المكفوفين عندما فقد مصور انجليزي يدعى "جيمس بيجز" بصره فقرر استخدام عصا لتساعده على التحرك بسهولة ويسر.

والواضح أن الكثير من فاقدي البصر في مجتمعنا الفلسطيني لا يستخدم العصا وخاصة الإناث وذلك بسبب الشعور بالحرج لنظرة المجتمع القاسية.

بدوره دعا الأخصائي النفسي درداح الشاعر الى إعادة صياغة المفاهيم الاجتماعية الخاصة بالتعامل مع شريحة المكفوفين مشيرا الى ضرورة رفع الوعي الثقافي للمجتمع لما للكفيف حق بالمساواة والحياة الكريمة كالإنسان المبصر.

حديثنا لرانيا لا يمل وخصوصا وهي تخبرنا عن مواقفها مع زميلاتها في الجامعة حينما تتعرف عليهم من مشيتهم أو من ملمس أيديهم , ومن المواقف التي تعتبر مؤلمة ومضحكة في ذات الوقت للكفيفة تقول:" لما أقطع المفترقات بضحك على نفسي لأني مش شايفة بس ماشية " وأضافت بعد أن تغيرت نبرة صوتها وأصبحت حزينة:" أتألم كثيرا حينما أسمع صراخ السائقين وزامور السيارات ولا أحد يساعدني".

أما عن أجمل اللحظات في حياة رانيا وهي يوم تخرجها وسط فرحة الأهل والصديقات تصعد سلالم المنصة على أنشودة " طلوا الغوالي .. طلوا ..والفرح طاح محلو بنجاحك يا الغالي " وحصولها على تقدير جيد جدا , لم ترى جندية دموع الفرحة بعيون والدتها ولكنها أحست بدفء حضنها حينما قالت لها : "مبارك يمه ".

وخلال حديثها أطلعتنا على آلة بيركنز للطباعة الخاصة بها , وهي بمثابة القلم لأي انسان فاقد البصر.

وهي عبارة عن آلة معدنية بها ستة مفاتيح لكتابة النقاط البارزة ثلاثة منها جهة اليسار وثلاثة جهة اليمين، أما الطباعة فتظهر على شكل ثقوب بارزة على الورقة.

وبعد أن عرفتنا جندية على طريقة القراءة بطريقة برايل, قطعت حديثنا شقيقتها هند وهي تقول: أختي شاركت بانطلاقة حماس.. وصفقت لفرقة الوعد التي لطالما أحبت أداءهم وحفظت أناشيدهم.

وبعفوية قالت: مش انت صحافة أكيد عملتي مقابلة معاهم (...) سلميلي عليهم, وتابعت والابتسامة لم تفارقها: كان نفسي أشوفهم أو ألتقي بهم.

لم تتوقف أحلام الكفيفة برؤية أعضاء فرقة الوعد ولكنها قالت بخجل عن حلم يحدوها الأمل في تحقيقه :" نفسي أصير أم (...) بحب الاطفال كتير".

وبعد أن التقطنا صورة لرانيا عاودت مزاحها من جديد قائلة :" أشوف كيف طلعت الصورة .. عيني مفتحين ولا رمشت؟"

**نعم .. أنا كفيف

قصة جندية يحفها النجاح الذي يحركه الإيمان والإرادة , ولكن ليس كل إنسان معاق بصريا قادر على التأقلم مع وضعه وخصوصا إذا فقد الرؤية في فترة شبابه , فالحاجة الستينية أم فهمي من خانيونس فقدت بصرها بعد إصابتها بالمياه البيضاء في الأربعين من عمرها.

أصبحت الحياة سوداء بالنسبة لها وباتت لا تخرج من المنزل قرابة العام بعد فقدانها للرؤية.. ويقول أحد أقاربها بأنها تشعر بالألم والحسرة وخصوصا بعد أن حرمت من رؤية أبنائها وأقاربها ومن التمتع برؤية جمال الطبيعة بعد أن كانت من أكثر الناس حبا للزيارات الاجتماعية والخروج للتنزه.

" انتو بتفكروني مش شايفة؟ أنا بحس وبشم" هي كلمات نطق بها وجع أم فهمي عندما أخفت إحدى قريباتها المعجنات عنها ولم تقدم لها بحجة أنها لا تكفي للجميع, الأمر الذي صعق منه الجميع.

محطتنا الأخيرة كانت في جمعية رابطة الخريجين المعاقين بصريا بغزة قابلنا خلالها الكفيف نادر بشير 40 عاما رئيس مجلس إدارة الجمعية .. وبعيدا عن الشؤون الإدارية وتحضيرات الجمعية , سألنا بشير عن حياته ككفيف فابتسم وقال:" على أحسن وجه أعيش .. مرجعيتي هي الإيمان بالله والحمد لله فقدره غالب (...) فقدت بصري تدريجيا حتى بات اختفى كليا وأنا في العشرين من عمري ".

يعيش بشير حياته الطبيعية كغيره من المبصرين يخرج للتنزه بصحبة زوجته التي لطالما حذرها من الوقوع أو التعثر بالحجارة أو المطبات التي يحفظها , ويعتمد على حاسة الشم التي من خلالها يعرف نوع الطعام الذي أعدته له زوجته.

ومن المواقف التي يشعر فيها الكفيف نادر بالسعادة هي عند انقطاع التيار الكهربائي ويقول :" بالنسبة إلي الأمر عادي (...) أساعد زوجتي للحصول على شمعة , فهي لا ترى من غير نور".

نور البصيرة والإيمان هو المحرك الرئيسي لبشير صاحب اللحية التي تكسوها بعض الشعيرات البيضاء فتزيد ملامحه وقارا , ويعمل بشير أستاذا لمادة اللغة العربية بمدرسة النور والأمل بالمحافظة الوسطى , ويعرف أصدقاءه من أصواتهم أو من رائحة العطر الذي يستخدمونه.

وتعرفنا على طريقة اعتماده على نفسه في بعض الأمور فعندما يصب الماء في الكوب يقدر تقديرا ثم يضع طرف إصبعه في الكوب ليعرف إلى أين وصل , وقال بثقة :" الإعاقة هي مرض في القلب أو العقل أما فقدان البصر فهو ابتلاء من الله عوضنا به بحواس أخرى نستخدمها".

وبالرغم من عدم إمكانية إبصار الإنسان الكفيف , ألا أن أحلام بشير برؤية المسجد الأقصى ليست مستحيلة ويقول :" نفسي أشوفه وأتأمل فيه ", أمنية سيحققها بشير وخصوصا حينما يشعر بقدسية المكان وسيرى قبة الصخرة حينما يتلمس أسوار الحرم.

انتهينا من جولتنا في حياة المكفوفين، وأسدل الستار عن عرض قصتك كبطل بعد أن نجحت في تقمص شخصية الكفيف لإحساسك به والاقتراب من وضعه, وختاما صفق لك الجمهور ونأمل بأن نصفق جميعا لأنفسنا حينما نعلم جيدا مدى معاناة الكفيف في الوصول إلى النور.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير