أربعة وستون عاماً مرت على النكبة لم تنس الفلسطينيين أرضهم, ولم تنه حلم عودتهم اليها بعد أن تشتتوا في أسقاع العالم، ولا يزال من تبقى منهم على قيد الحياة يتجرع ويلات الغربة والبعد عن الوطن, كما ان حق العودة مازال يشكل قلقاً كبيراً للكيان (الإسرائيلي) إذ أن معاناة اللاجئين في مخيماتهم وإصرارهم على العودة الى اراضيهم دليل قاطع على بقاء المشكلة الفلسطينية حية ولا سبيل لحلها إلا بعودة اللاجئين وتعويضهم.
وقد بدأت المخططات الرامية إلى إلغاء حق العودة منذ اليوم الاول للنكبة وتتواصل حتى يومنا هذا لكنها كانت دوماً تصطدم بتشبث الفلسطيني بأرضه.
فشل التوطين
وراوحت أعداد مشاريع التوطين ما بين أربعين وخمسين مشروعا، بعضها استمر الجدل قائما بشأنه, وبعضها الآخر مات قبل ان يولد..
وفي هذا السياق أكد د. عصام عدوان الباحث في شئون اللاجئين ان الفلسطينيين تعرضوا لمشاريع توطين كثيرة منذ النكبة وحتى الان في مصر والعراق وليبيا, موضحاً أنهم كانوا يعلمون بهذه الخطط والمشاريع ويعبرون عن رفضهم لها من خلال المظاهرات والتنديد بها ورفع شعارات مضادة لأي مشروع يمكن ان يلغي حق العودة.
وأشار ان اللاجئين أصروا على التمسك بقضيتهم وهويتهم الفلسطينية في كل أماكن تواجدهم برغم وجود توجه تقوده الامم المتحدة والاونروا وبتواطؤ من بعض الدول العربية لتوطينهم وانهاء حق العودة.
من جانبه شدد المحلل السياسي د. عبد الستار قاسم، على وجود حراك صهيوني أمريكي أوروبي دائم ومستمر للالتفاف على القرار الدولي ( 194 ) من خلال توطين اللاجئين الفلسطينيين في البلدان العربية وبعض الدول الأوروبية منذ زمن بعيد، حيث تعتبر قضية اللاجئين عقبة أمام سير عملية التسوية مع (إسرائيل) والتطبيع معها والاعتراف بها".
وكانت آخر الخطط الرامية لتوطين اللاجئين الفلسطينيين هي خطة بريطانية برعاية امريكية تسعى لتحسين الاوضاع المعيشية للاجئي لبنان وصولاً الى توطينهم, حيث تعمل الخطة على ثلاثة مواضيع تتعلق بالفلسطينيين في لبنان، الاولى تمكين اللجان الشعبية من القيام بدور تحسين الإدارة في المخيمات, والثانية إنشاء جهاز شرطة مدنية فلسطينية في المخيمات للحفاظ على الأمن والاستقرار هناك, والثالثة هي العمل على تحضير الأجواء للوضع النهائي للاجئين الفلسطينيين.
وهنا أوضح عدوان انه من الصعب جداً تنفيذ هذه الخطة لان تقديم تعويضات مادية للبنان مقابل التوطين سيقابل بالرفض كما ان التناحر الطائفي سيحول دون نجاح هذه الخطة بالإضافة الى أن الفلسطينيين انفسهم لن يقبلوا بها.
وتعد الاردن من أكثر الدول التي تضم نسبة كبيرة من اللاجئين ، حيث ان 60% من سكانها هم من الفلسطينيين ولذلك كان ومازال الاحتلال (الاسرائيلي) يقول أن فلسطين التاريخية هي الاردن ويطالب بعودة كل اللاجئين اليها واقامة الدولة الفلسطينية هناك.
وهنا اعتبر عدوان ان قضية التوطين في الاردن نجحت الى حد ما من خلال منح ما يزيد عن مليونين ونصف المليون فلسطيني من المقيمين هناك الهوية الاردنية دون ان يكون لديهم أي اوراق او وثائق تثبت انهم فلسطينيون, وبالتالي أصبحوا مواطنين اردنيين.
بدوره طالب قاسم بضرورة الوقوف بجرأة أمام تلك السيناريوهات الرامية إلى الانقضاض على حق العودة.
مشروع سيناء
وكانت الحكومة المصرية قد وافقت على مشروع توطين قسم من لاجئي قطاع غزة في سيناء في الفترة بين 1951-1953, وعقدت اتفاقا مع وكالة الغوث يمنحها إمكانية إجراء اختبارات على 250 ألف فدان تقام عليها عدد من المشاريع.
وقد واجهت الحكومة المصرية مقاومة شعبية للمشروع، لتصدر بيانا سنة 1953 تتراجع من خلاله عن موضوع التوطين، واعتبرت المشروع غير ذي جدوى, حيث يعتبر هذا المشروع من أهم المشاريع التي قدمت لتوطين اللاجئين الفلسطينيين من مدخل اقتصادي.
وفي هذا الشأن نوه عدوان الى أن مشروع توطين اللاجئين في شبه جزيرة سيناء جاء بطلب (اسرائيلي) من الحكومة المصرية في عام 1956 وجرت مشاورات سرية بين مصر و(اسرائيل) في حينه, حيث طالبت (اسرائيل) بنقل اللاجئين من مناطق قريبة من فلسطين المحتلة عام 1948 الى مناطق بعيدة في مصر, كما طرحت الاونروا تمويل المشروع لنقل كل لاجئي قطاع غزة لمصر.
وبين عدوان ان اتفاقية جنيف تم التوقيع عليها ولكنها لم تر النور بسبب الرفض الشعبي الكبير الذي جوبهت به, بالإضافة الي اتفاقية عباس بيلين التي لم يكتب لها النجاح لان الشعب الفلسطيني رفضها, قائلاً " لا احد يجرؤ على التفريط بحق العودة".
وكان يوسي بيلين الوزير (الاسرائيلي) الاسبق وياسر عبد ربه قد أعلنا عن تصور للحل النهائي لإشكالية اللاجئين سنة 2003 من خلال وثيقة جنيف التي اعتبرا أنها ستكون مرجعا مهما للمفاوضين السياسيين حول الحل النهائي.
ومن ضمن ما تناولته الوثيقة أن تحل هيئة دولية جديدة محل وكالة غوث اللاجئين, وإعادة تأهيل واستيعاب اللاجئين في دول وأماكن إقامتهم, وتطوير أوضاعهم المعيشية وتذويبهم في الحياة اليومية للمجتمعات التي يعيشون فيها.
أما وثيقة أبو مازن وبيلين فقد جمعتهما مباحثات وصفت بأنها غير رسمية، عقب توقيع اتفاق أوسلو, وكان يفترض أن يعلن عنها رئيس الوزراء الصهيوني الراحل إسحق رابين لاحقا لكن حادث اغتيال رابين سنة 1995 ساهم في بقاء الاتفاق قيد الكتمان.
وبالإضافة إلى التأكيد على مسألة الاعتراف المتبادل بين الدولتين، واعتبار مدينة القدس عاصمة للدولتين تعترف (إسرائيل) بأن العودة حق مبدئي للفلسطينيين، الى جانب التعويض عن الخسائر الناتجة عن حربي 1948 و1967 لكن بشرط اعتراف الجانب الفلسطيني أن العودة كما نص عليها القرار 194 أصبحت أمرا غير عملي, وتمت الإشارة إلى تشكيل لجنة دولية للإشراف على تأهيل اللاجئين ودمجهم حيث يتواجدون.
ومن جانبه ذكر عدوان أن السلطة عندما تطرح حلولا لقضية اللاجئين فإنها تحاول مراعاة التغييرات الدولية وتطرح أفكارا مسايرة للمجتمع الدولي الذي لا يتقبل فكرة عودة كل اللاجئين, لذلك هي تطرح عودة 100 الف لاجئ على عشرة سنوات الى اراضي 48 واعداد اضافية تعود لمناطق الدولة الفلسطينية, ويبقى الباقي في اماكن تواجدهم وهذا يتماشى الى حد ما مع المواقف والرؤى الدولية.
بدوره ختم قاسم حديثه بالقول: سلطة " اوسلو" لا تريد حق عودة، لأن من يقبل بالتفاوض مع (إسرائيل) ليس أمامه حل إلا التخلي عن حق العودة", موضحا أن ما يطبقه فياض وحكومته في رام الله اليوم من ثقافة استهلاكية تتغذى على الحقوق، يؤكد أنهم يسيرون وفق الأجندة الصهيوأمريكية التي لن تسمح بقيام دولة ذات سيادة، بل بكيان فلسطيني يعمل وكيلاً أمنياً للاحتلال فقط.