ما حقيقة "البرج المايل" في غزة ؟!

الرسالة نت – أحمد عوض الكومي

من بين مئات البيوت "قصيرة القامة" يقف برج الغفري شامخاً بطوابقه الـ 18 قرب ميناء غزة غرب المدينة.

قصته تناقلها آلاف الناس حتى أضحت "شائعة"، وإن أردت فتح تحقيق فيها فإنه من الصعوبة بمكان الكشف عن ملابساتها وهوية الجناة.

بدأ بناء البرج عام 1994 على مساحة 450 متر مربع، وتوقف بعدها بعامين لخلافات قيل إنها مع بلدية غزة، وأيضاً اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000 وما تبعها من أحداث.

وعادت الحياة للبرج عام 2010 مع نشاط حركة الإعمار بغزة، واستؤنف العمل فيه حتى "التشطيب".

يضم البرج 60 شقة سكنية مقسمة على 18 طابقاً، ويبلغ إيجار الشقة الواحدة 300 دولار كسعر متوسط بناء على حجمها ومساحتها.

بيد أن البرج لم يلق استحسان مواطني غزة، الذين –كعادتهم- سرعان ما يتهافتون على الشقق السكنية هروباً من ضيق المساحة نظراً للاكتظاظ السكاني.

السبب في ذلك، شائعة -لم يُعرف مصدرها- دبَّت الخوف في قلوب من يُقْدم على شراء أو استئجار شقة سكنية، ومفادها "أن البرج مائل".

"الرسالة نت" أجرت تحقيقاً واسعاً في الأمر، وسعت إلى الوصول لمصدر الشائعة؛ لكن دون جدوى، وكانت الخلاصة أن الفترة التي امتد فيها البناء بالبرج على فترات زمنية متباعدة، وبلغت 16 عاماً كانت "تربة خصبة" لإطلاق تلك الشائعة.

يقول م. عطا الله أبو كميل القائم بأعمال البرج، إن المبنى جرى تصميمه على أن يكون فندقاً وليس شققاً للإيجار، لكن الشائعة طردت السياح وحالت دون ذلك.

وذكر أن صاحب البرج –م. كامل عودة الغفري رجل أعمال فلسطيني مقيم بالإمارات حالياً- ارتأى تحويل المبنى إلى شقق سكنية ومكاتب لمؤسسات محلية؛ من أجل تفادي ما أفرزته الشائعة المغرضة.

تجدر الإشارة إلى أن الغفري هو رجل الأعمال ذاته الذي أقدم مؤخراً على توقيع اتفاقية مع بلدية غزة لتطوير سوق "فراس" وسط المدينة، برأس مال قدِّر بـ 15 مليون دولار.

مخالفة بـ 120 ألف دولار

وللوقوف أكثر على حقيقة البرج، نجحت "الرسالة نت" في الحصول على معلومات مؤكدة من مصادر مسؤولة رفضت الكشف عن هويتها، تقول إن صاحب البرج –الغفري- أخذ ترخيصاً من بلدية غزة بإنشاء بناية سكنية على الطابق الرابع فقط، وليس بُرجاً على الـ 18 كما هو قائم الآن !

وفي فترة انتقال الحكم للسلطة الفلسطينية وقت قدومها عام 1996 استغل الغفري –وفق المصادر- سخونة الأحداث وتوترها وأقدم على بناء أربعة طوابق إضافية، لتصبح البناية على الدور الثامن.

وقتها سارعت بلدية غزة إلى تطبيق نظام الغرامات على رجل الأعمال لمخالفته معايير التخطيط والتنظيم، فأوقعت بحقه مخالفة مالية تقدر بما يزيد عن 120 ألف دولار.

ولم يقف الغفري عند هذا الحد؛ إنما استغل أيضاً انتفاضة الأقصى عام 2000 وراح يبنى 10 طوابق إضافية دون رقيب أو حسيب، في وقت كانت فيه الجهات المسؤولة تغض الطرف عن المخالفين، وما أكثرهم في ذلك الحين. بحسب المصادر.

حينذاك وقفت بلدية غزة حائرة أمام مخالفات الغفري فلم يعد بإمكانها فرض مخالفات مالية إضافية ولا تطبيق نظام الهدم والإزالة بحق البرج السكني؛ إنما صنَّفته على أنه "مبنى متعدد الطوابق مخالف" بمعنى أنها لن تمنح "ترخيص مزاولة حرفة" إلا للأدوار الأربعة المرخصة فقط وما علاها يعد مخالفاً، ورفضت البلدية قطعاً التعامل مع رجل الأعمال.

وللإشارة فقط؛ فإن كل حرفة في المباني العالية يلزمها موافقة جهاز الدفاع المدني، وهو ما يعد صعباً في ظل مخالفات "الغفري".

وبهذا؛ ينكشف لغز إقدام صاحب البرج على تحويله من فندق سياحي إلى شقق سكنية، ويفسر أيضاً سبب عزوف المواطنين عن شرائها.

معايير التخطيط والتنظيم

مخالفات "الغفري" فتحت المجال أمام كثير من التساؤلات حول معايير التخطيط والتنظيم المتبعة في أبراج قطاع غزة، خاصة مع "النهضة العمرانية" الحاصلة هذه الأيام، والناظر للواقع تُغنيه الدلائل والتأكيدات الرسمية.

م. وائل شحادة رئيس قسم الإرشيف في بلدية غزة، شرح لـ "الرسالة نت" معايير التخطيط والتنظيم للأبنية السكنية العالية، بدءاً من تصميمهاً هندسياً وحتى الانتهاء من بنائها بالكامل.

يُقسِّم شحادة الأبنية السكنية إلى ثلاثة أقسام: "بنايات نوعية، عادية، عدة طوابق"، ولكل بناية معايير تحكم نظام البناء فيها، والبناية "متعددة الطوابق مخالفة" هي التي تنشأ دون علم البلدية والجهات المعنية في الدولة.

وينبغي لكل بناية –وفق شحادة- أن تنال موافقة الدفاع المدني ودوائر التخطيط والتنظيم، وأيضاً التدقيقات الإنشائية.

وقال: "تأتينا المخططات الهندسية من نقابة المهندسين بعد تدقيقها كاملة، وتنال مبدئياً موافقة من البلدية التي تدقق من ناحية تنظيمية"، مشيراً إلى أن النواحي التنظيمية تشمل: "نظام ارتداد، ارتفاع، مداخل، مخارج، خدمات، تهوية، إضاءة، أدراج، رووف، خزان الماء الأرضي، مواقف سيارات، غرفة مولد كهربائي، غرفة النظافة، إنذار حريق .. إلخ".

ولفت شحادة إلى أن المخططات تحوَّل بعد ذلك إلى جهاز الدفاع المدني، الذي بدوره يدقق في عوامل الأمن والسلامة بالأبنية السكنية، ثم تعود للبلدية مجدداً لمنح الترخيص ببدء الإنشاء.

وفجَّر رئيس قسم الإرشيف في بلدية غزة، مفاجأة بتأكيده أن جميع أبراج غزة لا يوجد بها منظومة إنذار الحريق، وقال إنها تتواجد فقط في المنشآت الدولية ومعامل البتروكيماويات، وأضاف ساخراً: "لا نراها إلا في المخططات".

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير