"فـلا حـدٌّ يباعدُنا ولا ديـنٌ يفـرّقنا.. لسان الضَّادِ يجمعُنا بغـسَّانٍ وعـدنانِ".. ذلك البيت الشعري كان يردده الطفل الفلسطيني اللاجئ على الحدود السورية مع الدول العربية المجاورة.
ولكن هذا الطفل المهجر لم يعلم أن كل حرف كان ينطقه على مسمع من جده غصة تزيد قلب الأخير بالأحزان بعد أن كان يتغنى بوحدة الأوطان في تلك القصيدة.
وبعد أن وصلت الأنباء إلى خيم التهجير بأن المملكة الهاشمية تعتبر دخول اللاجئ الفلسطيني من سوريا إليها خطا أحمر وأن الجمهورية اللبنانية دعت إلى ترحيل النازحين منها، توقفت حنجرة الصغير عن الإنشاد وأيقظ جده من غفوته متسائلا: "جدي.. جدي: ألم تعد بلاد العُرب أوطاني؟.. وهل باتت هي المنفى؟".
دعوات لمنع التدفق
وارتسمت على حدود بلاد العرب معالم التشريد والهجرة في خيم البؤس واللجوء بعد استمرار تدفق اللاجئين الفلسطينيين الفارين من قصف طائرات النظام السوري المخيمات الفلسطينية.
ونادت دعوات لبنانية لمنع هذا التدفق وإغلاق الحدود بوجه اللاجئين وإعادتهم إلى حيث جاؤوا.
وكان وزير الطاقة والمياه اللبناني جبران باسيل الذي ينتمي إلى تكتل "التغيير والإصلاح" بقيادة ميشيل عون قد دعا إلى وجوب "ترحيل" النازحين السوريين والفلسطينيين من لبنان، قائلا إنهم "يأخذون مكان اللبنانيين".
وحض باسيل على بحث ترحيلهم إلى دول الجوار مثل الأردن وتركيا والشطر التركي من قبرص.
أما اللاجئون الفلسطينيون فلا يزالون يعانون صعوبات معيشية كبيرة، وحالتهم الإنسانية تستدعي التحرك الدولي خاصة على الحدود.
"الرسالة" تواصلت مع رئيس لجنة اللاجئين بالمجلس التشريعي الفلسطيني عاطف عدوان الذي أكد أن أوضاع الفلسطينيين على الحدود السورية-العربية مأساوية، "لغياب المأوى ونقص المستلزمات الغذائية والدوائية والتدفئة"، منبها أنه لا بد من أن تتضافر الجهود الفلسطينية في الداخل والشتات والجهود العربية والدولية لإنقاذ المشردين "حتى لا ينعكس ذلك سلبيا على أوضاعهم".
نائب نقيب المحاميين في القطاع سلامة بسيسو استنكر بدوره التعامل مع اللاجئين الفلسطينيين على الحدود، مشيرا إلى أن الشعب الفلسطيني شعب منكوب يحتاج الإغاثة والاحتضان.
وأكد الحقوقي لـ"الرسالة" أنه يجب على الدول المجاورة أن ترعى اللاجئين وأن توفر لهم المأوى والملجأ كما نصت القوانين الدولية لحقوق الإنسان، مطالبا المجتمع الدولي والأمم المتحدة ووكالة غوث اللاجئين بألا يتنصلوا من أدوارهم المنوطة بهم.
ولفت بسيسو إلى أن منظمات حقوق الإنسان مقصرة في خدماتها وتضامنها مع اللاجئ الفلسطيني الهارب من الموت في سوريا، قائلا: "لا بد من أن تقف كل جهة عند مسؤولياتها اتجاه الأبرياء القانطين في الخيام التي لا تصلح لأجواء فصل الشتاء الباردة".
الأردن ترفض
الأردن لعبت بدورها دورا كبيرا في تعميق أزمة المشردين الفلسطينيين لأنها تقيم على خط التماس مع الثورة في سوريا، والغريب أن رئيس الوزراء الأردني عبد الله النسور قال في أحد التصريحات الصحافية إن بلده استقبل عشرات آلاف من اللاجئين السوريين.
ولكنه رد على سؤال أحد المواقع الإخبارية: "لماذا تمنعون اللاجئين الفلسطينيين الفارين من دخول المملكة علما أنهم يحملون وثائق سفر سورية؟"، بالإجابة: "هناك من يريد إعفاء (إسرائيل) مرة أخرى من التبعات المترتبة عليها بخصوص تهجير الفلسطينيين من ديارهم (...) الأردن ليست مكانا لحل مشكلات (إسرائيل)، فهناك قرار أردني سيادي واضح وصريح بألا يعبر الإخوة الفلسطينيين من حملة الوثائق السورية إلى الأردن".
وأكمل النسور: "استقبالنا لهؤلاء الأشقاء خط أحمر لأن ذلك سيكون مقدمة لموجة تهجير أخرى، وهذا ما تريده الحكومة العبرية (...) إخواننا الفلسطينيين في سوريا أصحاب حق في بلادهم الأصلية وعليهم البقاء هناك حتى انتهاء الأزمة".
رئيس لجنة اللاجئين في التشريعي علق في هذا السياق: "للأسف، تلك التصريحات وغيرها لا تصب في المصلحة العربية ولا تخدم البعد الإنساني بل تزيده سوءا"، مضيفا: "الاحتلال يحاول تجنيد الأنظمة العربية لمصلحته حتى يحاصر اللاجئ الفلسطيني في كل بقاع الأرض".
وأوضح عدوان أن المجلس التشريعي يحث الحكومة الفلسطينية على تقديم المساعدات المادية والمعنوية للمشردين على الحدود، مشيرا إلى أن المجلس يرسل خطابات إلى الجهات الإنسانية والإغاثية لتقديم العون.
وقال: "حاولنا التواصل مع وزارة الخارجية الفلسطينية للتعرف على دورها في خدمة رعاياها في الخارج والمشردين على الحدود، ولكن أحد العاملين في وحدة العلاقات العامة والإعلام بالوزارة اعتذر عن إفادتنا في الموضوع لسفر وكيل الخارجية غازي حمد وصعوبة توافر شخصية بديلة تتحدث في الموضوع".
وفيما يخص تقييم دور الخارجية الفلسطينية لمسألة تشريد العائلات الفلسطينية ورفض الدول العربية إيواءهم وما قدمت لهم، رأى الحقوقي بسيسو أنه لا بد لوزارتي الخارجية في الضفة وغزة من تحمل مسؤولية الرعايا الفلسطينيين المرفوضين على الحدود، "وضرورة توفير الحياة الكريمة لهم".
أما عدوان فيرى أن الواقع السياسي بعد الانقسام يؤثر على التعامل مع الوزارة بغزة، منوها إلى أن خارجية غزة لا تستطيع أن تفعل أي عمل، "لأن معظم السفارات في الخارج لا تتعامل معها بل مع وزارة الضفة".
وبعيدا عن الأدوار المنوطة بالجهات الحكومية والحقوقية والدولية العاجزة عن التغيير وتحسين وضع اللاجئ لا تزال خيم التشريد على الحدود السورية العربية في تزايد مستمر وأزمة كبيرة.