بعدما انتهى الصحافي أمجد القدرة 25عاماً من دوامه، بين احتكاك الموظفين، وصرخات المذياع، وضجة التلفاز، خرج لزحمة الشارع، وأبواق السيارات تبدأ بالنحيب، حتى اهتدى سائقٌ وأقله إلى منطقة سكناه، وتخلل رحلة العودة للمنزل، العديد من الحداويت وفتح مواضيع "ملهاش لزوم".
" اشتريت لحمة ويا ريتني ما جبتها، الجزار غشها بدهنة"، وتُجيبها جارتها بالكرسي الخلفي للسيارة، " أنا استنيت قبضة جوزي، واشتريت نص السوق وروحت"، حوارات مطولة سمعها القدرة، وكان مطلعها هذين البيتين من معلقات النساء المستمرة.
استمرت رحلة العودة من مهنة الضجيج، إلى المنزل، ثلاثون دقيقة، مليئة بحداويت "لها أول، بلا آخر"، لا تنتهي حتى يفترق الطرفان.
لم تنطوي المواضيع على السوق ومشترياته، بل إن "الحبل على الجرار"، والكلام يأخذ مجرىً آخر، حتى تبدأ قصص معاناة الأطفال، وعدم الادّخار، ومشاكل الزواج والطلاق، وما يدور بين الأزواج.
نرمين الإفرنجي29عاماً، لم يرق لها أن تكون النساء الطرف الضعيف، حتى وقفت بجبهة، مدافعة عن النساء، واتهمت الرجال بكثرة الكلام، لا سيما داخل السيارات.
" تبدأ أحاديثهم بالسياسة، فيجعل كل رجل من نفسه محللاً سياسياً، وان تحدثوا بالمباراة، كل شاب يصبح خبيراً رياضياً، ويبدأ الصداع يسري بالرأس كالنار في الهشيم"، بهذه العبارات وصفت نرمين جنس الرجال.
وتؤكد أن النساء يتحدثن داخل السيارات، في حال ركوب صديقتان سوياً، والحديث يدور حول مواضيع الامتحانات، وعلاج الأطباء، ومشتقاته، نافية أن أحاديث النساء داخل السيارات يخرج ضجيجاً.
بيد أن القدرة، يشبّه أصوات النساء داخل السيارات، بصفاراتٍ، وطائراتِ زنانات، تزعج المواطنين رغم صغر حجمها.
ويستطرد القدرة حديثه " الشاب في المجتمع الفلسطيني، أصبح يواكب السياسة، ولديه قدرة في خوض النقاشات في أحلك الأوقات".
الدكتور درداح الشاعر أستاذ علم النفس بجامعة الأقصى بغزة، عزا سبب الحديث داخل أزقة السيارات، شعور الإنسان أنه يتحدث بموضوع مهم، واعتقاده أن حديثه داخل السيارة لا يسمعه الآخرون، ما يدفعه للحديث، وعدم السكوت حتى نهاية الطريق.
وفيما يتعلق بحديث النساء داخل السيارات، أكد أنه تحول لثقافة حديثة بالنسبة للنساء، مرجعاً ذلك لعدم وعي المرأة، وإحساسها بأحقية سماع الآخرين لحديثها.
وقال الشاعر " في بعض الأوقات تلجأ النساء للحديث داخل السيارة، بسبب الرغبة في إثبات الذات، (..) وهو متعلق بالأصول التربوية للمرأة، فكثير من النساء لا يتحدثن داخل السيارة، لاعتقادهن أن صوت المرأة عورة".
وطالب أن يكون الحديث في الأمور المهمة داخل السيارة بشكل مقتضب، خشية من الانزلاق في إفشاء أسرار البيوت، أو نشر كثير من المعلومات حول المجاهدين، أو المعلومات الأمنية".
ودعا أستاذ علم النفس، السائقين إلى تعليق يافطة صغيرة داخل السيارة، تذكر الإنسان بقول الخير، أو الأدعية المأثورة، يقلل الحديث داخل السيارة.
"رب كلمة لا تلقي لها بالاً، تهوي بك سبعين خريفا في نار جهنم"، ومن المحتمل أن يطبق المثل الهندي القائل " الثرثرة تكلف أرواحا"، من خلال إفشاء الأسرار، لا سيما في مجتمع مصغر داخل دهاليز السيارة.