يحكى أن كافور الإخشيدي حاكم مصري صاح بأعوانه: قبل ثلاثة أيام دخل البلاد رجل غريب اسمه المتنبي، وآمركم بإحضاره إلي فورًا حيا أو ميتًا.
وكان المتنبي آنئذٍ يمشي في شوارع القاهرة، وبلغت بهجة المتنبي الذروة عندما رأى نهر النيل، فتوقف عن المسير، ونظر إلى ماء النهر كأنه طفل يشاهد نهرًا أول مرة في حياته.
وتدفقت إلى مخيلته كلمات كثيرة تتنافس على وصف النهر، ثم تبددت الصورة فجأة حين انقض على المتنبي عدد من الرجال الأقوياء، القساة الوجوه والأيدي، واقتادوه إلى قصر كافور الإخشيدي.
الإخشيدي: المعلومات المتوافرة لدي تقول إنك لست مصريا.
المتنبي: إذا كنت مولودًا بالكوفة وجئت مصر زائرًا، فهل هذا مسوِّغ لاعتقالي.
كافور: اخرس. ألم آمرك بألا تتكلم، ما اسمك؟
المتنبي: أبو الطيب المتنبي.
كافور: ماذا تشتغل؟.
المتنبي: لا مهنة لي سوى الكتابة. أنا شاعر.
كافور: لا تتحذلق. الشعر أيضًا مهنة لا تختلف عن مهنة الحداد والنجار والدهان وحفار القبور. اسمع. ما دمت تزعم أنك شاعر، فهل نلت إذنًا من السلطات المختصة.
المتنبي: وهل تطلب السحابة إذنًا إذا أرادت أن تمطر؟!.
كافور: إني أكلمك عن قوانين وأنظمة، فلا تجاوبني بكلام منمق سخيف أنت في بلاد يسودها التنظيم، وأنت خالفت القوانين عندما نظمت شعرًا من غير إذن.
المتنبي: لقد جئت إلى مصر قبل ثلاثة أيام فقط، ولم أنظم بعد أي قصيدة
كافور: أنت تدعي أنك شاعر، فما الدليل على أنك شاعر حقًا؟.
المتنبي: أنا ذائع الصيت، ونظمت كثيرًا من الأشعار.
كافور: هل غنّى أشعارك مشاهير؟ هيا أسمعني بعض أشعارك.
المتنبي:
يا أعـدل الناس إلاّ فـي معاملتي
فيك الخصام وأنت الخصـم والحكم
أعيـذهـا نظـرات منـك صادقة
أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
كافور: ما سمعته ليس سيِّئًا. أتجيد نظم قصائد المدح؟.
المتنبي: سبق لي أن مدحت الكثير من الملوك والأمراء.
كافور: ما دمت تتقن المدح، فينبغي لك أن تنظم قصيدة في مدحي. أنت الآن في مصر، وأنا حاكم مصر. وإذا كنت لست عميلاً لأعداء مصر وتحب مصر، فمن واجبك مدح حاكمها.
المتنبي: لم أعرفك بعد المعرفة التي تتيح لي نظم قصيدة في مدحك.
فابتسم كافور الإخشيدي، وأشار بيده إلى أعوانه، فهجموا على المتنبي، وطرحوه أرضًا، ووضعوا رجليه في فلقة، وانهال بعضهم بالعصا ضربًا على باطن قدميه.
تألم المتنبي، وما لبث الألم أن دفعه إلى الصراخ شاتمًا، مستغيثًا، فضحك كافور، وقال: ما هذا الصوت الجميل؟ أنت لست شاعرًا. أنت تصلح لأن تكون مغنيا.
وحين تحول صراخ المتنبي إلى بكاء ذليل، أمر كافور بالكف عن ضربه.
كافور: ستنظم قصيدة مطوّلة تمتدحني.
المتنبي: سأفعل ما تأمر به.
كافور: سأعطيك مهلة مدتها سبعة أيام لنظم القصيدة، وستنجو من القتل إذا أعجبتني.
وعاد المتنبي إلى كافور الإخشيدي بعد أربعة أيام، وأسمعه ما نظم من شعر في مدحه، فطرب كافور، وانتشى، وقال: أنت شاعر حقّا.
ولكن عندما رحل حاكم مصر الاخشيدي دفن معه المديح وحل مكانه الهجاء يطارد الاخشيدي وأمثاله من الحكام وأبيات المتنبي تقول لهم:
صار الخصـيُّ إمام الآبقيـن بـها ** فالـحر مستعبـد والعبـد معبـود
نامت نواطيـر مصـر عن ثعالبهـا ** فقد بشمـن وما تفنـى العناقيـد
العبـد ليس لـحر صالـح بـأخ ** لو أنه فـي ثيـاب الـحر مولـود
لا تشتـر العبـد إلا والعصا معـه ** إن العبيـد لأنـجاس مناكيــد