معركة جنين 2002.. للحديث بقية

معركة جنين 2002 (أرشيف)
معركة جنين 2002 (أرشيف)

جنين- الرسالة نت

"لم تكن أياما عادية، القنابل والرصاص والقذائف تطايرت فوق رؤوس العباد كزخات المطر، كنت أحتضن أطفالي طوال ساعات النهار والليل، ونجلس في غرفة واحدة كنا نظن أنها ستحمينا من ويلات الحرب التي نعيشها".. بهذه الكلمات استهلت أم أحمد أبو الهيجا حديث ذكرياتها عن معركة مخيم جنين في نيسان عام 2002.

تقول لـ"الرسالة نت": "كان الخوف يعشعش في النفوس، لم نعرف طعم النوم، لكن كان هناك شيئا يطمئننا قليلا، فهناك رجال في الخارج حملوا سلاحهم وأرواحهم على أكفهم ليدافعوا عنا".

وشهد مخيم جنين أعنف المعارك التي دارت بين قوات الاحتلال وفصائل المقاومة الفلسطينية خلال ما أطلقت عليها الحكومة (الإسرائيلية) "عملية السور الواقي" في انتفاضة الأقصى، والتي جاءت حسب ادعائها ردا على عمليات المقاومة داخل فلسطين المحتلة عام 48.

واستمرت معركة مخيم جنين من الأول من نيسان وحتى 12 من نفس الشهر عام 2002، واستشهد خلالها 55 مواطنا من المخيم، فيما أوقع أبطال المقاومة عشرات القتلى في صفوف الجيش (الإسرائيلي) الذي اعترف حينها بمقتل 23 جنديا، فيما يؤكد شهود عيان في المعركة أن العدد أكثر من ذلك بكثير.

وتتابع أم أحمد، التي دُمر منزلها على ما فيه من أثاث ومقتنيات خلال معركة المخيم: "عندما اشتدت المعركة، خرجنا من المخيم، تركنا كل شيء وراءنا، كان همي الوحيد أن أحمي أطفال(...)، وبعد أن انتهت المعركة وعدنا، لم نصدق ما الذي نراه، وكأن زلزالا ضرب المخيم، كل البيوت مهدمة، بما فيها بيتنا الذي يأوينا".

وهدم جيش الاحتلال بطائراته وجرافاته عشرات المنازل بالمخيم، بعضها هدم بشكل كامل، ومنها ما هدم جزء منه ليروي ما تبقى منه تفاصيل ما حدث بساكنيه، وبالمقاومين الذين تحصنوا داخله.

شهود على المعركة

ضياء الرشيد (35 عاما) تحدث لـ"الرسالة نت" حول أبرز المحطات التي شهدها المخيم خلال المعركة، وقال: "انتهت المعركة بعد أن نفدت ذخيرة المقاومين، لم يكن أحد يدعمهم ولا يزودهم بالسلاح، كل الاتكال كان على تعاضد وتكاتف الناس مع بعضهم البعض، ووحدة الفصائل مع بعضها".

يشير الرشيد بيده لحارة "الحواشين" إحدى حارات مخيم جنين التي كانت مركزا لتجمع المقاومين من مختلف الفصائل، ويقول: "هنا كان يتمركز كل المقاومين، ورغم التغييرات الجغرافية التي حدثت بسبب إعادة بناء البيوت بعد تدميرها، إلا أن رائحة الرصاص ودماء الشهداء وصور المقاومين وهم يجتمعون تحت سقف واحد لا تزال باقية".

ويتابع: "صمدنا بالمخيم 12 يوما، استخدم الاحتلال خلالها كل وسائل القتل من دبابات وجرافات وطائرات وجنود للنيل من إرادة وصمود أبناء المخيم، لكنهم لم ينجحوا بذلك على الرغم من حجم الدمار والدماء التي سالت".

وبفخر لا يساويه شيء, أضاف: "مخيم جنين سطر أروع قصص البطولة والصمود، وأوجع المحتل، لقد شكل حالة نضالية أسطورية في سابقة لا مثيل لها، لذلك يحاول الاحتلال أن يفرغ المخيم من الأجيال التي كبرت على قصص البطولة تلك، وتنزع حب المقاومة من قلوبهم، لكن ذلك أيضا لم يجد معهم، فأطفالنا يولدون ويكبرون وهم يعلمون أنهم لاجئين، وأن هذا المحتل هو من سرق أرضه وشرده".

وفي حديثه عن أكثر المشاهد التي لا زالت عالقة في ذهنه إبان المحركة، يقول فراس مصطفى (27 عاما)، كان هناك بناية مرتفعة جدا بالمخيم، أيقن المقاتلون حينها أنها ستكون هدفا للاحتلال ليسيطر عليها، لكشف تحركاتهم، فقام المقاتلون بتفخيخها وما أن دخلها أكثر من 30 جنديا تم تفجير المنزل، وقد رأى الناس جثث الجنود ودماءهم".

مشهد آخر رفع من معنويات الناس وشد من عزيمة المجاهدين آنذاك -كما يقول فراس- عندما قصفت طائرات الاحتلال أحد المنازل بالصواريخ، وكان حينها عشرات الجنود (الإسرائيليين) يتحصنون داخله مما أدى لمقتل العديد منهم. 

وحدة المقاومة

ويفخر أهالي مخيم جنين بالوحدة التي تميز بها أبناء المقاومة من شتى الفصائل، حيث يقول حمزة (25 عاما) لـ"الرسالة نت": "أروع ما ميز المعركة هو وحدة الصف المقاوم، لم يكن هناك حماس وفتح وجهاد وغيرها، كانت الأخوة هي السائدة، وكل أهالي المخيم كانوا يدعمون المقاومة وكل يقاوم من مكانه، الشاب والشيخ والمرأة والطفل".

وعن بطولة نساء المخيم يروي حمزة "كانت النسوة يخاطرن بأنفسهن ليوفرن للمقاومين الماء والغذاء، كانت النسوة تعتلي أسطح المنازل وتخاطر بأرواحهن لتكشف الطريق للمقاومين وتخبرهم أماكن تواجد الجنود".

شهادة مقاتل

محمود أبو طلال أحد المقاتلين الذين شاركوا في معركة المخيم، يروي ما شاهده خلال المعركة فيقول: "ما جرى صعب أن يوصف بالكلمات، لقد تعلم الجيش الإسرائيلي الشراسة من المقاومة الشرسة والعنيدة داخل المخيم ومن المقاومين الأشداء".

ويضيف: "كان المقاتلون يضعون نصب أعينهم هدف الشهادة، لم نكن نسمع اسم فصيل، الكل كان يتوق للشهادة في سبيل الله وهو يدافع عن المخيم، حتى أن الاحتلال أطلق على المخيم "عش الدبابير" كون كل شخص فيه يدعم المقاومة ويقاوم، كان يتهيأ للاحتلال أن الشجر والحجر والبشر معرض للانفجار بالمخيم".

وبكلمات ملؤها التحدي يتابع أبو طلال: "من خلال الاقتحامات المتتالية للمخيمات قبيل عملية السور الواقي، استفدنا من بعض الخطط التي كان يطبقها الاحتلال، كاقتحام المنازل بهدم الجدارن الداخلية لاقتحام البيت المجاور، وهذا الأمر أعطانا نقطة قوة، وقدرة على وضع خطط لتفادي كمائن الاحتلال".

العبرة من الأخطاء

الباحث والكاتب سري سمور رأى أن معركة مخيم جنين جديرة بأن تكون مادة لأعمال درامية وفنية تحكي تفاصيل المعركة، وأن يكون ما حصل أطروحة لدراسات عليا كرسالة الماجستير التي قدمها النائب في المجلس التشريعي جمال حويل، الذي شهد المعركة واعتقل على إثرها بضع سنين.

وأضاف سمور في حديثه لـ"الرسالة نت": "لن ينسى أحد أن بضع عشرات من المقاومين وبأسلحتهم الخفيفة صمدوا بالمخيم ما يقرب من أسبوعين أمام أعتى أنواع الأسلحة وبكافة أشكالها، من سلاح جوي وبري، وأن شارون رئيس الوزراء آنذاك جاء بنفسه ليشرف على معركة مخيم جنين ومعه وزير دفاعه فؤاد بن أليعازر ورئيس أركان جيشه شاؤول موفاز، وقد تحول المجلس الوزاري المصغر في الكيان العبري، بل كل حكومة شارون إلى فريق عمل لمتابعة المعركة في مخيم جنين".

ولفت الباحث إلى أن ذكرى معركة جنين، لا يجب أن تمر فقط بالاحتفال بها، والتغني ببطولاتها، وقال: "نحن أحوج ما نكون إلى مراجعة لكل النهج والمسار، ويجب أن نتحلى بالصراحة ونمارس النقد الذاتي لنتعلم من الأخطاء التي وقعت".

وأضاف: "من أكبر الأخطاء التي ارتكبناها أننا تركنا المخيم ساحة مفتوحة للغرباء من الأجانب تحت مسميات مختلفة، متضامنين أو نشطاء وغيرها من المسميات، فمثل هذه ظاهرة تشكّل غزوا ثقافيا لا يقل خطورة عن العملية العسكرية،سيما اختلاط هؤلاء الأجانب بفئتي المسلحين والفتية المراهقين داخل المخيم، دون وجود رقابة وضوابط لتحركات هؤلاء الغرباء".

وتساءل سمور: "بعد تلك التضحيات والصور البطولية، هل تركنا مخيم جنين ساحة مفتوحة لهؤلاء الأجانب الذين أجزم أن بينهم ضباط من الشاباك والسي آي إيه والإم آي 5 وغيرها؟، يفترض أن يكون هناك ضوابط لحركتهم، وبرنامجا نتحكم فيه نحن، لا أن نترك لهم الحبل على الغارب يلتقطون الصور ويدخلون المؤسسات والمنازل وقتما شاؤوا ويجالسون مسلحينا وفتياننا وفتياتنا، بحيث صرنا كتابا مفتوحا أمامهم!".