في ظل الحرب المستمرة على قطاع غزة، تحولت الزراعة إلى أكثر من مجرد وسيلة لإنتاج الغذاء، بل أصبحت حاجة حياتية ملحّة يعتمد عليها السكان لتأمين أبسط مقومات البقاء.
فقدت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية قدرتها الإنتاجية نتيجة القصف والدمار، بينما يواجه المزارعون صعوبة متزايدة في الوصول إلى الأسمدة والبذور والمياه الصالحة للري. ومع ارتفاع أسعار الغذاء وتقلص فرص الشراء، أصبحت الأرض بالنسبة للكثيرين خط الدفاع الأول ضد الجوع، ومساحة يحاولون من خلالها حماية أنفسهم وأطفالهم من تداعيات الأزمة المستمرة، رغم كل المخاطر والقيود المفروضة عليهم.
وفي قراءة لهذا الواقع، يؤكد الخبير الاقتصادي ماهر الطباع أن القطاع الزراعي يُعد من أكثر القطاعات التي تعرضت للتدمير خلال الحرب، مشيرًا إلى أن الاحتلال الإسرائيلي استهدف بشكل مباشر الأراضي الزراعية، لا سيما في المناطق الشرقية من قطاع غزة، والتي تمثل العمود الفقري للسلة الغذائية.
وأوضح الطباع في تصريحات صحفية أن الاحتلال يفرض سيطرته على أكثر من 60% من هذه المناطق، فيما لم يتبقَّ سوى نحو 40% ضمن ما يُعرف بالخط الأصفر، الأمر الذي فاقم من أزمة الأمن الغذائي، ودفع السكان إلى مواجهة ظروف معيشية قاسية. وأضاف أن القيود المشددة على إدخال مستلزمات الإنتاج الزراعي، مثل الأسمدة والبذور والأشتال، زادت من صعوبة استئناف النشاط الزراعي، وعمّقت الأزمة الغذائية في القطاع.
حياة تغيّرت تحت القصف
على الأرض، لا تُختصر الأزمة بالأرقام، بل تتجلى في تفاصيل الحياة اليومية للسكان. تقول إحدى المواطنات إنهم كانوا يعيشون في أراضٍ "مليئة بالزيتون والخضرة والفواكه"، قبل أن تأتي الحرب وتقلب حياتهم رأسًا على عقب.
وتضيف أن المجاعة لم تعد مجرد تهديد، بل واقع يومي يعيشه الناس، في ظل عجز كثيرين عن شراء الخضروات والفواكه، ما أدى إلى تدهور صحتهم وضعف قدرتهم على الحركة.
وأمام هذا الواقع، لم تجد المرأة خيارًا سوى العودة إلى الأرض، رغم الدمار. توضح أنها بدأت، برفقة أبنائها، بإزالة الركام واستصلاح جزء صغير من الأرض لزراعته، مؤكدة أن التمسك بالأرض بات ضرورة، "كما نحافظ على أبنائنا نحافظ على شجرنا".
لكن الزراعة اليوم في غزة لم تعد كما كانت، إذ يؤكد أحد المواطنين أن ما يقومون به يعتمد على وسائل بدائية، في ظل غياب الأدوات والمستلزمات الأساسية.
ويشير إلى أنهم يفتقرون للأسمدة والمبيدات، ما يضطرهم لاستخدام بدائل بسيطة، مثل مخلفات الطيور، وأحيانًا مواد تنظيف لمكافحة الحشرات التي تهاجم المحاصيل. ورغم ذلك، يصرّون على الاستمرار، معتبرين أن الزراعة لم تعد خيارًا بل ضرورة لا يمكن التخلي عنها.
ويضيف: "نحن لا نستسلم للواقع، نحاول أن نزرع بما هو متاح، حتى لو كان قليلاً، المهم أن نبقى قادرين على الصمود".
الدافع وراء هذا التوجه لم يعد مرتبطًا بتحقيق الاكتفاء أو الإنتاج التجاري، بل بالخوف من الجوع. يقول أحد المواطنين إنه لجأ إلى الزراعة "من باب الحاجة"، في ظل ارتفاع الأسعار وانعدام القدرة على الشراء.
ويوضح أنه بدأ بزراعة مساحات صغيرة جدًا، حتى داخل محيط خيمته، مستغلًا أي مساحة متاحة، مهما كانت محدودة، لزراعة بعض المحاصيل البسيطة التي تسد جزءًا من احتياجات أسرته.
ويرى أن الزراعة تمنحه متنفسًا نفسيًا وسط الضغوط اليومية، إلى جانب دورها في تأمين الحد الأدنى من الغذاء، في واقع يزداد قسوة يومًا بعد يوم.
في المحصلة، تكشف المعطيات الاقتصادية وشهادات السكان عن واقع يتجاوز مجرد تراجع الإنتاج الزراعي، إلى تحول هذا القطاع إلى وسيلة أساسية للبقاء. فبين الدمار الواسع، وشح الموارد، والقيود المفروضة، يجد سكان غزة أنفسهم أمام خيار واحد: الزراعة بما توفر، مهما كانت الإمكانات محدودة.
وفي ظل هذا المشهد، لم تعد الأرض مصدر رزق فقط، بل أصبحت خط الدفاع الأول في مواجهة الجوع، ومحاولة مستمرة لتفادي الأسوأ، والحفاظ على ما تبقى من مقومات الحياة.