جلست والدمع بعينها، غمست يديها في قعر إناء بعد أن خلطت فيه مكونات كعك العيد، بدأت تقلب العجينة، وتحضر التمر، وتخبز الكعك أخيراً، لكن هذه المرة لم تحضره لتقدمه ضيافة العيد، بل لترسله لزوجها القابع في سجن الجنيد، الذي لا يبعد كثيرا عن منزلها.
أنهت الزوجة تحضير الكعك، الذي لم تشعر بلذته، ولم يستمتع أطفالها وجيرانها برائحته التي ملأت أرجاء المكان، فغصة اعتقال زوجها كانت عالقة تسد أي رائحة أو مذاق طعام.
رفعت زوجة المعتقل عماد ريحان سماعة الهاتف قاصدة سجن الجنيد بنابلس، لتسأل السجان عن موعد إدخال الطعام والملابس لزوجها، فكان وقع الرد عليها "تم نقل زوجك لسجن أريحا" أصعب من لحظة الاعتقال، حسب قولها.
تضيف "أم عمرو" زوجة المعتقل ريحان الذي تجاوز عمره (48 عاماً)، أمضى منها (14 عاماً) في سجون الاحتلال: "تصادف اعتقال زوجي في نفس التاريخ الذي اعتقل فيه لدى الاحتلال العام الماضي، في الثالث من تموز، وفي مشهد مرتب تماما كتلك اللحظة، عندما اقتحم جهاز المخابرات منزلنا، عادت ذاكرتي حينها مباشرة للحظة طرق جنود الاحتلال للمنزل ليلا، ففتح لهم زوجي الباب، وعندما تأكدوا من هويته اعتقلوه مباشرة، وهكذا فعلت السلطة تماما".
واعتقل جهاز المخابرات الأسير المحرر عماد ريحان من منزله في قرية تل قرب نابلس، خلال حملة اعتقالات طالت أكثر من 250 من عناصر وناشطين من حركة حماس بالضفة المحتلة، حيث مددت اعتقاله لخمسة عشر يوماً تنتهي بعد العيد، وتم نقله من سجن الجنيد في نابلس لسجن أريحا.
وتقول الزوجة التي كانت تستقطع بعض الدقائق لتلاعب طفلها الصغير الذي لم يتجاوز الأربع سنوات: "أطفالي الصغار كانوا لحظة اعتقال والدهم نائمين، وعلموا بالأمر صباحاً، كانت الصدمة بادية على وجوههم حينها".
وتضيف: "ابني محمد (6 سنوات)، الذي لم ينسَ بعد لحظة اعتقال والده العام الماضي على يد الاحتلال، وقد انعكس الأمر بشكل كبير على نفسيته، وبدا لا يطيق الجلوس بالبيت، يبقى جالس على باب المنزل أو عند أعمامه، وكأنه ينتظر عودة والده كل لحظة، والآن يتكرر الأمر ذاته معه".
"14 عاما" أمضاها زوجي في سجون الاحتلال، ورمضان الماضي لم يكن معنا، والسلطة جاءت لتحرمنا اياه مرة أخرى، ومهما وصفت وقلت عن الظلم والمرار الذي نعيشه بسبب هذا الاعتقال لن أعبر عنه، كنا نقول إنه معتقل عند اليهود، ونرضى بالمر لأنهم أعداؤنا، لكن من اعتقله في رمضان هذه المرة منا وفينا"، قالتها أم عمره بعد "آه" حملت معها وجعا قاسيا.
أما عن تحضيرات العيد لأطفالها الستة، تقول أم عمرو: "لأول مرة أشتري لأطفالي ملابس العيد قبل حلول شهر رمضان، فقد حضرت أنا وعماد لهم كافة مستلزمات العيد، لكن هذه الفرحة والسعادة التي شعروا بها مع والدهم لم تدوم، والآن لا نشعر بأي طعم للعيد، ولا نشعر بأن أيامه اقتربت".
وحرصا على مشاعر العائلة والأطفال، كانت أم عمرو وأطفالها مدعوون طيلة شهر رمضان للإفطار في بيوت العائلة والأقرباء، في محاولة منهم لإخراجهم من جو الحزن الذي يخيم على المنزل بعد اعتقال والدهم.
عائلة الصحفي محمد عصيدة من بلدة تل أيضا، كانت على موعد آخر من جرح آخر بعد اعتقاله على يد الاجهزة الأمنية بذات الحملة.
ولتقطع محاكم السلطة "الشكلية" خيوط الأمل بخروجه قبيل العيد، تم عرض محمد على محكمة مستعجلة قبيل العيد، وتمديد اعتقاله لخمسة عشر يوما أخرىـ على الرغم من عدم انتهاء مدة التمديد الأولى.
وكان عصيدة قد أفرج عنه من سجون الاحتلال قبل شهرين، بعد قضاء عامين في سجون الاحتلال.
ويخوض نحو عشرة معتقلين سياسيين إضرابا مفتوحا عن الطعام، احتجاجا على اعتقالهم وزجهم في الزنازين دون أي تهم موجهة ضدهم، حيث وصف عدد ممن أطلق سراحهم لـ"الرسالة نت" بأن حملة الاعتقالات الأخيرة جاءت دون مسوغات قانونية وأنها "كيدية وحسب"، حيث يتم وضع المعتقلين في الزنازين دون توجيه أي تهم واضحة بحقهم ولم يتم التحقيق معهم على أي شيء، ما يدل على أنها حملة انتقامية وسياسية ضد حركة حماس بالضفة المحتلة، حسب قولهم.
ومع انتهاء شهر رمضان، وحلول عيد الفطر، تبقى عائلات ما يقرب من 250 معتقلا سياسيا في الضفة تنتظر بارقة أمل تعيد لهم أبناءهم، وبحل ينهي مأساة الاعتقال السياسي، الذي يمثل دفة لسياسة الباب الدوار بتنسيق أمني "مقدس" مع الاحتلال.