مقال: بعيدا عن النووي.. البؤر الاستيطانية تأكل أرضنا

غسان مصطفى الشامي
غسان مصطفى الشامي

غسان مصطفى الشامي

انشغل العالم بأسره والصهاينة على وجه الخصوص بالاتفاق التاريخي، الذي عقدته الدول العظمى مع جمهورية إيران الإسلامية، فيما يخص النووي الإيراني، وقد وصف اتفاق "فيينا" بالتاريخي خاصة أنه جاء بعد عامين متواصلين من المفاوضات الشاقة بين إيران والدول الكبرى.

والمتابع للشأن الإيراني وتطورات الاتفاق والمدة الزمنية المحددة أمام الكونغرس الأمريكي لمراقبة الاتفاق، يدرك تماما أن إيران حققت انجازات كبيرة، أبرزها رفع العقوبات الدولية، والإفراج على المليارات من الدولارات في البنوك الدولية، وتوسيع قاعدة العلاقات التجارية والاقتصادية والسياحية مع دول الجوار، وإقامة علاقات جديدة بين إيران والدول الأوربية، وغيرها من الإنجازات التي ستحققها إيران من هذا الاتفاق؛ وكانت نظرة الكيان الصهيوني للاتفاق مختلفة، حيث عبر رئيس الوزراء" نتنياهو" عن غضبه الكبير من أمريكا والدول الكبرى لتوقيع هذا الاتفاق، متحدثا عن خطورة النووي الإيراني على الكيان الصهيوني ، وأن هذا الاتفاق يصب في مصالح إيران الكبرى، وله أهمية وجودية مصيرية، ويغير موازين القوى في المنطقة، ولا يخفي المراقبون الإسرائيليون الخوف الدائم لدى الحكومة الصهيونية من هذا الاتفاق وتأثيراته الكبيرة على الكيان الصهيوني ومستقبل منطقة الشرق الاوسط.

 ويرى كاتب السطور أنه وسط انشغال العالم والمشهد الإعلامي العالمي بالنووي الإيراني، واتفاق فيينا التاريخي غاب المشهد الفلسطيني عن الإعلام العالمي، رغم أن المشهد الفلسطيني ساخن، حيث قدم الفلسطينيون ملفات قضائية لعدد من جرائم الاحتلال أمام محكمة الجنايات الدولية، وعلى الجانب الآخر تواصل الحكومة الإسرائيلية مخططاتها العنصرية بحق أرضنا المحتلة، بل وتسارع في تنفيذ هذه المخططات حيث قامت (إسرائيل) ومن خلال ما تسميه (الإدارة المدنية) باستكمال مخططات تهويد الكثير من القرى الفلسطينية آخرها قرية سوسيا قضاء الخليل، كما أصدرت الحكومة الصهيونية المئات من أوامر وإخطارات الهدم للمنازل الفلسطينية في القدس المحتلة ومدن الضفة المحتلة بهدف استكمال مخططات بناء البؤر الاستيطانية.

إن حكومة "نتنياهو" المتطرفة تحمل برنامجا أساسيا يتمثل في  تمويل بناء البؤر الاستيطانية، وأعلنت صراحة عن عزمها المضي في المشاريع الاستيطانية،  حيث قامت وزيرة العدل (ايليت شاكيد) الأسبوع الماضي - حسب وسائل الإعلام العبرية- بتشكيل لجنة حكومية للنظر في  وضع البؤر الاستيطانية في الضفة المحتلة، وستكون مهمة اللجنة بلورة خطة لترتيب وضع البؤر الاستيطانية في الضفة، وتحديد الوضع الدائم لهذه البؤر، وتحديد الأراضي الخاصة، والإثباتات المطلوبة للإعلان عن هذه الأراضي كأراضي خاصة، على أن تُعرض توصيات هذه اللجنة على اجتماع الحكومة الإسرائيلية خلال 60 يوما.

كما أعلنت (شاكيد) في تصريحات صحفية أن هناك الكثير من المناطق في الضفة الغربية لم يتم ترتيب أوضاعها، وآن الأوان لإزالة الضبابية القانونية عن هذه المناطق، كما صادقت الحكومة الصهيونية الأسبوع الماضي على بناء (886) وحدة استيطانية جديدة في الضفة، حيث قالت صحيفة "هآرتس" العبرية أن بناء هذه الوحدات يأتي محاولة من قبل وزير الدفاع الصهيوني " موشيه يعلون" لإرضاء المستوطنين وكسب ودهم.

إن حكومة ( نتنياهو) المتطرفة لا تحسب حساب لأية جهة أممية أو دولية وليس لديها خطوط حمراء فيما يخص المشاريع الإستيطانية، ولن يتوقف البناء في البؤر الاستيطانية حتى لو طلبت أمريكا والاتحاد الأوروبي من الكيان ذلك،  من أجل عودة المفاوضات السياسية والتنسيق والتعاون مع الجانب الفلسطيني، بهدف تحريك المياه الراكدة في عملية السلام المزعوم.

 وفي هذه الأيام تواجه قرية سوسيا -تقع في مناطق ج حسب اتفاقية أوسلو المشؤومة- التي نشأت في الثلاثينات من القرن التاسع عشر، مخاطر مصادرة أراضيها وتهجير سكانها، حيث أفادت وسائل إعلامية أن سلطات الاحتلال تعتزم هدم أكثر من 50 منشأة فلسطينية في قرية "سوسيا" إلى جانب المدرسة الوحيدة فيها، وتهجير سكانها، لصالح تنفيذ المخططات العنصرية الاستيطانية والسيطرة على أراضي القرية وتوسعة مستوطنة "سوسيا" اليهودية المقامة بشكل غير شرعي على أراضي المواطنين في المنطقة، كما أصدرت الحكومة (الإسرائيلية) قرارا جائرا يقضي بتهجير سكان قرية "سوسيا" من أراضيهم وهدم مساكنهم.

يستهدف الاحتلال منذ ثمانينات القرن الماضي قرية "سوسيا"، حيث أعلن عام 1986م عن أراضي القرية على أنها (حديقة قومية إسرائيلية)، وقام بطرد سكانها منها إلى أراضيهم الزراعية المجاورة، وفي عام 2001م تم طرد الفلسطينيين مرة أخرى وتدمير القرية، وفي عام 2011م هدمت سلطات الاحتلال عشرة مبان سكنية في القرية، وستة مبان تستخدم للحاجات المعيشية، وأربعة آبار مياه.

كما قامت (إسرائيل) مؤخرا بالإعلان عن إعادة طرح مخطط ( برافر) في صحراء النقب، ويهدف إلى تهجير أكثر من 45 ألف فلسطيني وتدمير قراهم ومساكنهم، ومصادرة أكثر من 800 ألف دونم، من أجل استكمال مخططات تهويد النقب الفلسطيني وبناء الآلاف من الوحدات الاستيطانية، والكل يعرف أن الحكومة (الإسرائيلية) تتعامل بإهمال كبير مع قرى النقب الفلسطيني المحتل، وتحرم الفلسطينيين من أبسط الحقوق الفردية والجماعية ومقومات الحياة .

إذن تعيش فلسطين هذه الأيام هموما كبيرة وثقيلة، والعدو الصهيوني يعلن يوميا عن مخططات سرقة أرضنا الفلسطينية، ولا يخفي أحلامه البائسة في تهجير الفلسطينيين وترحيلهم عن أرضهم من أجل استكمال بناء البؤر الاستيطانية والسيطرة الكاملة على أرضنا المحتلة.