وكالات
"قضيت ليلي على الرصيف قبالة منزلي أتأجج غضبا لأني لا استطيع أن ادخله وارى المستوطنين ينتقلون للعيش فيه ليحلوا محلنا". هكذا يصف ماهر حنون (50 عاما) حاله اليوم بعدما فقد منزله في حي الشيخ جراح في القدس, والمنزل الذي تقطنه عائلة حنون هو بيت حجري قديم، تتدلى على جدرانه أغصان الياسمين ودوالي العنب، ويتكون من 10 غرف وبستان وكان يسكنه 17 فردا.
وبعد صمت، تابع ماهر حنون الذي افترشت عائلته الرصيف على بعد ثلاثين مترا من بيته، «الشجر والحجر حزين، الشجر يعرف أصحابه والحجارة تعرف أصحابها. في أي قانون أو شرع يعطى الـحق لأناس أن يقتلعونا من بيتنا الذي ولدت أنا وأبنائي فيه».
وتجددت المواجهات، الاثنين الماضي ، بين أهالي حي الشيخ جراح في القدس المحتلة وشرطة الاحتلال، قُبالة منزلي عائلتي غاوي وحنون، اللذين استولت عليهما الجماعات اليهودية المتطرفة ، في خطوة أثارت انتقادات عربية ودولية.
وذكرت مصادر فلسطينية أنّ عشرات الفلسطينيين أصيبوا بالرصاص المطاطي والرضوض والاختناق عندما قامت شرطة الاحتلال بقمع اعتصام نفذه أفراد من عائلتي غاوي وحنون وعدد من المتضامنين على مقربة من المنزلين المصادرين، فيما تم إغلاق كافة الشوارع المؤدية إلى الحي.
وأشار شهود إلى أنّ سلطات الاحتلال اعتقلت عدداً من المتضامنين، الذين أصروا على البقاء أمام المنزلين، فيما تم نقل عدد من المُصابين إلى المستشفى لتلقي العلاج.
وكانت شرطة الاحتلال طردت 55 شخصاً من عائلتي حنون وغاوي من منازلهم، تمهيداً لتسليمها إلى مستوطنين من منظمة «نحالات شيمون»، وذلك بعدما رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية طلب استئناف تقدمت به العائلتان لوقف تنفيذ أمر الطرد.
ومع الصباح، بدأ النائمون بطي فرشاتهم على الرصيف، حيث جلس ماهر مع جيرانه والمتضامنين الأجانب. وعلقت على باب احد الجيران لافتات كتب عليها «لا للتطهير العرقي»، فيما وضعت الشرطة الإسرائيلية متاريس في المكان وسيرت العديد من الدوريات، في وقت دأب المستوطنون على المرور في سياراتهم التي كانت تصدح بالأغاني العبرية.
وقال ماهر حنون: «رفضت أن آخذ خيمة من الصليب الأحمر لأننا سئمنا خيم اللاجئين... سنبقى في الشارع إلى أن تحل قضيتنا». وأضاف إنّ «المستوطنين يقومون بعملية استفزاز لنا، والشرطة تتصرف بشكل مستفز تجاه بناتنا، وأكثر ما استفزني عندما اخذ أفراد الشرطة كرة قدم ابني التي تركناها في البيت وراحوا يلعبون بها وسط الشارع».
وقال ناصر عبد الفتاح غاوي، الذي طردت عائلته المكونة من 38 شخصا من منزلها، «لقد نمنا في الشارع وسنبقى في الشارع ننتظر رحمة الله وفرجه علينا». وأضاف «لقد جرى اشتباك بين أفراد عائلتي والشرطة ، وضربت الشرطة اثنين من شبابنا بالهراوات ونقلتهم إلى المستشفى للعلاج وهما رهن الاعتقال في المستشفى»، مشيراً إلى أنّ «الشرطة تقوم باستعراض عضلاتها واستفزازنا، وتنتهز أي فرصة للاعتداء علينا».
في غضون ذلك، منعت شرطة الاحتلال عدداً من المقدسيين ومتضامنين أجانب من إعادة نصب «خيمة أم كامل» في حي الشيخ جراح. وكان المواطنون أعادوا بناء الخيمة مرات عديدة بعد هدمها من قبل سلطات الاحتلال.
وقوبلت الإجراءات الإسرائيلية القمعية في القدس بمواقف عربية ودولية منددة، حيث وصف دبلوماسي أميركي في القدس الشرقية طرد العائلتين بـ«الاستفزازي»، مشيراً إلى أن ذلك يتعارض مع التزامات إسرائيل وتعهداتها»، فيما أكدت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية ميغان ماتسون أن «إجراءات أحادية من هذا القبيل لن تغير من ملامح التسوية الدائمة ولن تنال اعترافاً دوليا». واعتبرت وزارة الخارجية الفرنسية أنّ قرار الطرد «غير قانوني بنظر القانون الدولي ومضر لعملية السلام لأنه يستبق نتائج مفاوضات الحل النهائي«، فيما رأت الرئاسة السويدية للاتحاد الأوروبي أنّ الأعمال التي تقوم بها الحكومة الإسرائيلية تتناقض مع النداءات المتكررة من قبل المجموعات الدولية، بما فيها اللجنة الرباعية، لوقف أي أعمال استفزازية في القدس الشرقية.
كما انتقد المبعوث الدولي الخاص في الأراضي الفلسطينية روبرت سيِري الخطوة الإسرائيلية محذراً من أنها «تزيد من حدة التوتر وتمس بالجهود المبذولة لاستئناف المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين، فيما اعتبرت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين «اونروا» أنّ قرار طرد العائلتين المقدسيتين «غير مقبول ومؤسف».
بدورها، أعربت جامعة الدول العربية عن رفضها لـ«الادعاء الكاذب بالملكية اليهودية لهذه المباني جملة وتفصيلا «، معتبرة أنّ «إقدام الحكومة الإسرائيلية على هذه الخطوة الخطيرة سيعزز سياستها نحو تطبيق شعار يهودية دولة إسرائيل»، فيما حذر وزير الخارجية المصرية أحمد أبو الغيط من أنّ بلاده ستلجأ إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن إذا استمرت إسرائيل في تعدياتها على المواطنين الفلسطينيين، والتي كان آخرها اقتحام قرية بلعين في الضفة الغربية واعتقال عدد من الناشطين الفلسطينيين والأجانب فيها.