لم تُحل ملفات

قيادة السلطة تتعمد المماطلة في ملف محكمة الجنائيات

قيادة السلطة تتعمد المماطلة في ملف محكمة الجنائيات
قيادة السلطة تتعمد المماطلة في ملف محكمة الجنائيات

تحقيق الرسالة - محمد عطا الله  

تٌثير دعوة أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير صائب عريقات، قبل أيام بضرورة الذهاب فورا إلى محكمة الجنائيات الدولية لرفع قضية ضد رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وتجريمه أمام العالم، على ضوء تعهد الأخير بضم الضفة الغربية إلى السيادة الإسرائيلية، التساؤل حول مدى جدية قيادة السلطة في تحركاتها على الصعيد الدولي في محكمة الجنائيات؛ لمحاكمة قيادات إسرائيلية؛ لارتكابهم جرائم ضد الفلسطينيين.

تصريحات قيادة السلطة التي لا تتوقف حول تحركها وإحالتها للعديد من الملفات وتوجهها لمحكمة الجنائيات الدولية لمحاكمة قادة الاحتلال، تدفع إلى طرح تساؤل مهم حول عدم صدور أي قرار بالمحاكمة أو حتى الإدانة من المحكمة التي انضمت إليها السلطة رسميا في الأول من ابريل عام 2015.

ومن المهم الإشارة إلى أنه مضى أكثر من عامين على حصول فلسطين على عضوية الدولة المراقب في الأمم المتحدة، قبل أن تقرر القيادة الفلسطينية الانضمام إلى نظام روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية، حيث صدر القرار بتاريخ 31/12/2014، بإحالة ملفات الاستيطان والتطهير العرقي والتمييز العنصري الإسرائيلي ضد الفلسطينيين لمحكمة الجنايات الدولية في مدينة لاهاي الهولندية، بحسب وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية "وفا".

ما سبق بني عليه قرار مكتب الادعاء العام الشروع في إجراء دراسة أولية للوضع في فلسطين، على أساس الإعلان الفلسطيني المودع لدى المحكمة بتاريخ 2/1/2015، بموجب المادة 12 فقرة (3)، والقاضية بقبول اختصاص المحكمة الجنائية بأثر رجعي يعود لتاريخ 13/6/2014، فيما دخل نظام روما الأساسي حيز النفاذ لدولة فلسطين في1 /4/2015.

ومن المفارقة عدم صدور أي قرار، حتى تاريخ كتابة هذا النص في الـ 3 قضايا التي تدعي قيادة السلطة أنها أحالتها لمحكمة الجنائيات الدولية لارتكاب (إسرائيل) فيها جرائم فجة، وهي العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وما تبعه صيف 2014 وملف الاستيطان الإسرائيلي باعتباره "جريمة حرب" وأخيرا الانتهاكات والجرائم الإسرائيلية التي تمارس بحق الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.

دفع ذلك معد التحقيق إلى البحث والتقصي عن أسباب عدم إصدار أي قرارات من المحكمة والآلية التي تتحرك من خلالها قيادة السلطة وشكل الدعاوى والشكاوى التي أحالتها من أجل إدانة الاحتلال.

توقيف اللجنة

وكان أحد أعضاء اللجنة الوطنية العليا لمتابعة ملف الانضمام للجنائية الدولية د. أسامة سعد، كشف عن توقف عمل اللجنة، بعدما أصرّ أعضاؤها على أن تقوم فلسطين بإحالة ملفات الجرائم التي يرتكبها الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني.

وقال سعد في حديث سابق لـ "الرسالة" إن وزارة الخارجية أرسلت خبيرًا دوليا كان يحاول إقناع اللجنة بعدم جدوى الإحالة، وأنه لا فرق بينها وبين تقديم الشكاوى لمكتب المدعي العام، ثم أصرّ الحضور على إحضار خبير دولي آخر، وكان رأيه مختلفًا إذ شدد على أهمية الإحالة بالنسبة لفلسطين كونها دولة طرف.

وأضاف أن الخبير ذكر ضرورة الإحالة كونها تعطي ميزة أخرى تماما عن تقديم الشكاوى لمكتب المدعي العام.

وأشار إلى أن أعضاء اللجنة وبعد استماعهم لرأي الخبير الآخر أصرّوا على اجراء إحالة للملفات من طرف اللجنة.

وكشف أن صائب عريقات رئيس اللجنة عند استماعه لهذه الآراء وعد برفع الأمر للرئيس عباس، وفي حال عدم استجابة الأخير فإنه سيقدم استقالته احتجاجًا على عدم تلبية مطلب اللجنة، و"بعد هذا الحوار لم تنعقد اللجنة إطلاقًا منذ ثلاث سنوات".

وفسّر عضو اللجنة الوطنية لمتابعة الجنايات عدم موافقة الرئيس على إحالة الملفات، بأنه نوع من التلكؤ في الاقدام على هذه الخطوة، مشيرا إلى أن اللجنة كانت قد طالبت بفصل المسار السياسي عن القانوني، لا سيما وأنّ "المجتمع الدولي قد أعطى للشعوب حق اللجوء للمحكمة، وهو مسار قانوني معترف به ولا يجوز ربطه بمسار سياسي".

يذكر أن اللجنة قد شكلت بقرار من عباس، وضمت حقوقيين ممثلين عن عديد القوى السياسية، بعد انضمام فلسطين لميثاق روما المنشئ لمحكمة الجنايات الدولية في أبريل من عام 2015.

عدم الإحالة

ويؤكد الخبير القانوني ومدير المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية "مسارات" بغزة صلاح عبد العاطي، غياب استراتيجية قانونية فلسطينية ونقص المعرفة لدى القيادات الفلسطينية بآليات توظيف القانون الدولي، وميل السلطة إلى إبقاء قدم في المفاوضات وعملية التسوية.

ويوضح عبد العاطي في حديثه لـ"الرسالة" أنه رغم توصية اللجنة الوطنية العليا لمتابعة المحكمة الجنائية القاضي باتخاذ إجراءات الإحالة إلى المحكمة في نهاية العام 2016، ومن ثم قرار اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية؛ بإحالة ملف الاستيطان إلى المحكمة الجنائية باعتباره جريمة حرب، وملفي التطهير العرقي والتمييز والفصل العنصري ضد الفلسطينيين كدعوة مستعجلة لفتح تحقيق قضائي، إلا أنه لم يتم تنفيذ هذا القرار حتى الآن بحجج مختلفة وغير مقنعة.

وأضاف: السلطة قدمت التماسا للمدعية العامة لإجراء فحص أولي حول إن كانت هناك جرائم ترتقي لمستوى جرائم حرب وتدخل ضمن ولاية المحكمة، منبها إلى أن الفحص الأولي لا يعني عمليا فتح تحقيق أو أنه قد يتم فتحه، فهناك تجارب سابقة لفحص استمر لعشر سنوات ثم أعلنت المحكمة أنها لا تدخل في اختصاصها، على حد قوله.

وعن أسباب ذهاب قيادة السلطة إلى خيار الفحص الأولي يعلل عبد العاطي ذلك إلى احتمالين أولهما، هو قلة المعرفة والخبرة بآليات وإجراءات عمل المحكمة الجنائية، والثاني أنها تنوي إبقاء مسار العودة إلى المفاوضات مفتوحًا، خاصة في ضوء الضغوط الإسرائيلية والأميركية، التي وصلت حد التهديد بوقف المساعدات وفرض عقوبات على السلطة.

ويشدد على أن السلطة الوطنية وطوال السنوات السابقة، اكتفت بالتعاطي مع مسار الدراسة الأولية، ولم تلجأ إلى فتح مسارات جديدة، على رأسها إحالة الملفات إلى المحكمة لضمان الفعالية والسرعة والإنجاز في مسار محاسبة قادة الاحتلال.

ثلاثة مسالك

ويتفق الخبير والمحقق القانوني في محكمة الجنايات عبد الرحمن علي مع سابقه، مبينا أنّ الطريق لفتح تحقيق جنائي فيما يتعلق بالجرائم المرتكبة في فلسطين يمر بأحد ثلاثة مسالك تنص عليها المادة (13) من نظام روما، أولها أن يحيل مجلس الأمن القضية إلى المدعية العامة للمحكمة الجنائية مثل ما حدث في ليبيا والسودان، وهذا لن يحدث لأسباب معروفة تتعلق بالموقف الأمريكي.

ويوضح علي الحائز على شهادة الدكتوراه في القانون الدولي من جامعة إيكس مارسيليا، في حديثه لـ "الرسالة" من باريس، أنّ المسلك الثاني هو أن تحيل فلسطين القضية بوصفها عضوا في المحكمة إلى المدعية العامة وتطلب منها رسميا فتح تحقيق، وهو ما لم يحدث إلى الآن، والمسلك الثالث أن تفتح المدعية العامة من تلقاء نفسها تحقيقاً كاملاً في قضية فلسطين.

ويقول علي: "إن فلسطين إلى الآن لم تحل الجرائم المرتكبة في فلسطين لسبب قانوني بسيط وواضح، وهو أنه حسب البند (45) من قواعد لائحة المحكمة (Regulation of the Court) التي تذكر أنه يخطر المدعي العام رئاسة المحكمة كتابياً بمجرد أن تحيل إليه دولة طرف حالة ما بمقتضى المادة (14).

كما يشترط البند (46) من قواعد لائحة المحكمة "على رئاسة المحكمة أن تحيل القضية المحالة إلى المدعي العام من دولة طرف فور إخطار المدعي العام لرئاسة المحكمة بذلك وفقاً للبند (45) إلى دائرة تمهيدية مكونة من قضاة المحكمة".

وهذا يعني أن فلسطين لو أحالت قضية إلى المحكمة الجنائية الدولية وإلى مدعيتها العامة، فإن على رئاسة المحكمة المكونة من قضاة المحكمة أن تنشئ فورا دائرة تمهيدية باسم حالة فلسطين، مكونة من ثلاثة قضاة، لكن هذا ما لم يحدث ببساطة لأن دولة فلسطين لم تحل أي قضية إلى المدعية العامة، وفقاً لعلي.

وأوضح أن إرسال السلطة لملفات جنائية إلى المحكمة لا يعني بالمطلق أن هذا طلب إحالة للتحقيق، مؤكدًا أن طلب التحقيق يتأتى من خلال نص مكتوب ترسله السلطة إلى المحكمة وتطالبها فيه بفتح باب التحقيق في الجرائم التي ارتكبها الاحتلال.

جعجعة إعلامية

ويعتبر النائب في المجلس التشريعي عن حركة حماس يحيى العبادسة أن السلطة تمارس الجعجعة الإعلامية فيما يتعلق بمحكمة الجنائيات الدولية ولم تقم بأي خطوات قانونية من أجل محاسبة الاحتلال.

ويؤكد العبادسة لـ" الرسالة" أن تلكؤ السلطة وعدم إحالتها لجرائم الاحتلال وممارستها التسويف والمماطلة وخداع الرأي العام؛ يجعلها شريكة في هذه الجرائم ضد شعبها، لا سيما وأن إفلات الاحتلال من المحاسبة والعقاب يشجعه على ارتكاب المزيد من الجرائم.

ويلفت النائب في المجلس التشريعي إلى أن امتناع قيادة السلطة عن التحرك الجدي في محكمة الجنائيات وغيرها من المحاكم الدولية أو حتى على صعيد الامتناع عن وقف التنسيق الأمني مع الاحتلال وإعادة النظر في الاتفاقات السابقة يعود إلى خشيتها على بقائها لذلك تتنكر لواجبها في هذا الملف.

وعن المطلوب في ظل مماطلة السلطة في محاكمة الاحتلال، نوه العبادسة إلى ضرورة البحث عن مداخل دولية؛ لتجاوز السلطة وتكليف هيئات شعبية وقانونية للسعي للبحث عن مداخل أخرى لتحريك هذه القضايا على الصعيد الدولي.

ضغوط أمريكية

وبعد عشرات الاتصالات التي أجراها معد التحقيق وفشل الوصول إلى صائب عريقات رئيس اللجنة الوطنية لمتابعة ملف الانضمام للجنائية الدولية، تمكنا من الحديث مع القيادي في السلطة الفلسطينية أمين مقبول، والذي نفى بدوره توقف عمل اللجنة وأكد إحالة العديد من الملفات للمحكمة.

وقال مقبول لـ"الرسالة" إنه كان هناك قرار أن تبدأ المحكمة بتحقيق بدائي وأولي لكنها تأخرت كثيرا في ذلك، مما دفعهم إلى تقديم رسالة شكوى لرئيس المحكمة الجنائية والطلب بإحالة الملفات الفلسطينية للمحكمة الدستورية في المحكمة الجنائية لتقر ببدء التحقيقات.

وأكد أن قيادة السلطة ترفع بشكل مستمر العديد من التقارير بشأن الجرائم اليومية التي ترتكبها قوات الاحتلال بحق الفلسطينيين، مشيرا إلى أن لجنة المتابعة الوطنية العليا تستعين بقضاة ومحامين واستشاريين دوليين كبار ولهم خبرة عالية بهذا الشأن؛ لمقاضاة قيادة الاحتلال.

ولفت إلى وجود الكثير من أسماء القيادات (الإسرائيلية) التي ارتكبت مجازر بحق الفلسطينيين، جرى إرفاقها في التقارير التي رفعت للمحكمة كون أن أي تقرير يجب أن يكون موثقا للجريمة ووافيا حتى تبدأ المحكمة بفتح تحقيق فيه.

وعزا القيادي بالسلطة تأخر وتباطؤ عمل المحكمة وسير الملفات الفلسطينية المحالة فيها، إلى الضغوط الكبيرة من الإدارة الأمريكية على المحكمة وآخرها معاقبتها بعدم إعطائها تأشيرة دخول للأراضي الأمريكية وعقوبات أخرى حال أصدرت أي قرار يدين (إسرائيل).

وبالعودة إلى عبد العاطي فإنه يرى أنه من غير المفهوم أو المقبول الاستمرار في دعم مسار الدراسة الأولية بعد أكثر من عامين ونصف دون أن يحصد الشعب الفلسطيني شيئاً ملموساً في مجال محاسبة قادة وجنود الاحتلال، أو تحقيق العدالة للضحايا. ورغم تفهم مبرر دعم السلطة لخيار الدراسة الأولية.

ويشدد على أن المسار الذي اعتمد فلسطينيًا عن طريق الدراسة التمهيدية، يعد طويلًا ومعقدًا جدًا، ولم تثبت التطورات نجاعته، وقد لا يفضي إلى إجراء تحقيق جدي ومساءلة ومحاكمة قادة الاحتلال.

وأمام ما سبق وفي نهاية المطاف فإنه من الضروري تفعيل دور الضحايا ومنظمات المجتمع المدني الحقوقية في مراقبة عمل اللجنة الوطنية والسلطة، من أجل الضغط لتحسين الامتثال الفلسطيني وفقًا للالتزامات المترتبة على دولة فلسطين بموجب ميثاق روما والاتفاقات الدولية.

والعمل وفق استراتيجية وطنية متكاملة لمسار محاسبة الاحتلال الإسرائيلي مستندة بشكل رئيسي إلى الحقوق، ومن دون تسييس للعدالة المستحقة لضحايا الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي، أو مساومة عليها.