مودعون يطالبون بإجابات عاجلة.. أين اختفت صناديق الأمانات في بنك فلسطين؟!

الرسالة نت - رشا فرحات

في غزة التي تحاول لملمة جراحها بعد الحرب، تبدو قضية مثل قضية صناديق الأمانات في بنك فلسطين قضية مصيرية؛ لأنها ربما كانت تحوي مستقبل عائلة كاملة تحاول أن تبحث عن بعض التعويض لبعض خسائر الحرب التي طالت كل أهالي القطاع.
مودعو بنك فلسطين؛ أصوات لا زالت تصرخ في وجه غموض قضيتهم، ويؤكدون اختفاء صناديقهم التي كانت أمانات في فروع البنك، فيما يطالبون بإجابات واضحة وتحقيق شفاف يبدد الغموض ويعيد الثقة المفقودة.
وقد واجه المودعون في بنك فلسطين أزمة جديدة، حيث أصبح مصير أموالهم وصناديق ودائعهم غامضًا، ولا يزالون يناشدون ويتوجهون إلى البنك بعشرات الرسائل ليعطيهم إجابة تشفي غليلهم، أو وعدًا يريحهم بحل هذا الغموض. 
وعلى الرغم من أن بعض فروع البنك لم تتعرض للقصف، مثل فرع الجلاء، حسب روايات المواطنين، إلا أن هناك الكثير من الصناديق والأمانات لا تزال مفقودة.

أشهر من الانتظار

السيدة (م.ق) لم ترغب في ذكر اسمها صراحة، لأنها وجّهت اتهامًا مباشرًا إلى البنك، معتبرةً إياه المسؤول عن ضياع وسرقة صناديق الأمانات، ومتوقعةً أن الإدارة تعلم من يقف خلف ما جرى.
تقول إنها توجّهت إلى بنك فلسطين – فرع خان يونس في اليوم الأول لإعلان الحرب، في السابع من أكتوبر، وطلبت استلام صندوق الأمانات الخاص بها. وكان الرد، بحسب روايتها، أن البنك مغلق ولا يعمل بسبب إعلان حالة الطوارئ والحرب.
وتتساءل: "في أوقات الحرب تحديدًا، يسعى كل إنسان إلى استرداد أمانته خوفًا من تصاعد الأمور. لماذا مُنعنا من ذلك؟".
وتؤكد أنها لم تكتفِ بمحاولة واحدة؛ بل عادت بعد أسبوع، ثم بعد شهر، ثم بعد شهرين، ثم خلال فترة الهدنة، حيث تقول إن موظفين وعدوها بتسليم الصندوق في الهدنة، إلا أن الرد ظلّ نفسه: "البنك لا يعمل".
تضيف: "في كل مرة كنت أُقابل بالجواب ذاته، إلى أن فوجئت في النهاية بأن الصندوق مفقود".
وتؤكد أن ثروتها كاملة كانت محفوظة في ذلك الصندوق، واصفةً ما حدث بأنه ضربة قاسية لا يمكن تعويضها. 
كما تشير إلى أن البنك يمتلك نسخة من مفتاح كل صندوق أمانات، وأن الغرفة مزودة بكاميرات مراقبة تُظهر محتويات أي صندوق عند فتحه، وتوثّق دخول أي عميل ووقت فتح الصندوق وما يضعه بداخله.
وترى أن هذه المعطيات تجعل من الصعب، بحسب قولها، تبرير اختفاء الصناديق أو التنصل من المسؤولية.
وحتى بعد مغادرتها غزة، واصلت محاولاتها، وأرسلت رسائل رسمية وكتابًا للبنك منذ أكثر من شهر ونصف، لكنها لم تتلقَّ أي إجابة، ولم يُوضح أي مسؤول في البنك أو سلطة النقد الفلسطينية ما الذي حدث لصناديق المودعين.

سيولة محدودة وحقوق معلقة

وحتى بعد إعادة فتح بعض فروع البنوك في غزة، بما في ذلك فروع بنك فلسطين في مناطق أخرى، ما زالت السيولة النقدية محدودة جدًا، ولا يستطيع المودعون سحب أموالهم، بينما تتزايد المخاوف حول ما حدث للأموال المفقودة خلال الحرب.
اليوم، يطرح المواطنون أسئلة محقة: من المسؤول عن الأموال المفقودة في فرع الجلاء لبنك فلسطين؟ ولماذا لم يوضح البنك أو سلطة النقد ما الذي حدث داخل الفروع التي لم تتعرض لأي ضرر؟ وما مصير صناديق الودائع التي يُفترض أن تكون محمية؟

حقي ولن أتنازل عنه

قبل أيام، كررت المواطنة زينب عودة مناشدتها قائلة: "في شهر رمضان، الذي يُفترض أن يكون شهر أمان وطمأنينة، أجد نفسي أعيش قلقًا لا يوصف. أنا أطالب بحقي فقط. لديّ صندوق أمانات رقم (78) في فرع السرايا/الجلاء التابع لبنك فلسطين، وقد وضعت فيه مقتنياتي الخاصة على أساس أنه مكان آمن ومحمي.
فوجئت بإبلاغي أن الصندوق مفقود، في حين أن هناك عملاء آخرين تسلّموا صناديقهم من الفرع نفسه. كيف يحدث ذلك؟ كيف يُعاد لبعض الناس ما ائتمنوا عليه، بينما يُقال لآخرين إن صناديقهم غير موجودة؟

 

أصحاب أمانات: البنك متواطئ ويجب أن يعيد لنا حقوقنا.

 

 

أنا لا أطلب سوى حقي. أطالب إدارة البنك بكشف الحقيقة كاملة، وتحمل مسؤولياتها، وإعادة صندوقي ومحتوياته دون تأخير. كما أناشد سلطة النقد الفلسطينية بالتدخل العاجل وفتح تحقيق شفاف يضمن إنصاف جميع المتضررين. هذا ليس مجرد صندوق، بل أمانة وحقوق شخصية وضعتها بثقة، وأطالب اليوم باستعادتها بالعدل والقانون."

تطمين ورسالة صادمة

وتروي آثار مسلم قصتها بصوت يختلط فيه الاستغراب بالخذلان. كانت خارج غزة حين اندلعت الحرب، ومع الأيام الأولى حاولت التواصل مع فرع السرايا/الجلاء التابع لبنك فلسطين لاتخاذ أي إجراء يضمن سلامة صندوق أماناتها. تقول إنها طلبت استلامه أو تأمينه بشكل واضح، لكن طلبها قوبل بالرفض.
خلال فترة الهدنة، وصلتها رسائل موثقة تؤكد أن صندوقها ما يزال محفوظًا وبأمان حتى الأول من ديسمبر. تطمينات مكتوبة أعادت إليها شيئًا من الطمأنينة وسط الفوضى التي كانت تعيشها غزة، لكن ذلك الاطمئنان لم يدم طويلًا.
تقول آثار: "فجأة تلقيت رسالة أخرى، مختصرة وباردة، تخبرني بأن الصندوق تعرض للسرقة. لم تتضمن الرسالة أي شرح لما جرى، ولا كيف تغيّر الوضع بين إشعار بالأمان وإشعار بالسرقة، ولا أين كانت إجراءات الحماية".
وتؤكد مسلم أن الصندوق لم يكن يضم مقتنيات ثمينة فحسب، بل أوراقًا رسمية مصيرية لا تملك عنها أي نسخ بديلة. مستندات لا يمكن استخراج بدل فاقد لها بسهولة، وبعضها — بحسب قولها — لا يُعوَّض أصلًا.
تضيف: "القيمة ليست مادية فقط. أوراق حياتي كلها كانت هناك."
وبين تطمين سابق وإخطار لاحق بالسرقة، بقيت آثار بلا إجابة واضحة، وبلا صندوق، وبلا مستندات، وبسلسلة أسئلة لم تتلقَّ عنها تفسيرًا حتى الآن.

الفرع لم يُقصف

ويبدو وضع زياد عبيد مختلفًا، لكنه لا يقلّ قلقًا. يقول إن لديه صندوق أمانات في بنك فلسطين – فرع السرايا، وهو الفرع الذي يؤكد أنه لم يُقصف ولم يتعرض لاقتحام، وبقي سليمًا حتى نهاية الحرب. ورغم ذلك، فُقد صندوقه.
يؤكد عبيد أن البنك لم يتواصل معه بأي شكل منذ بداية الحرب. أرسل رسائل إلكترونية عدة، وتوجّه شخصيًا إلى فروع البنك، مطالبًا باستلام صندوق الأمانات الخاص به، لكن الرد كان متكررًا: "الفرع مغلق ولا يعمل". ويقول إن البنك كان يقدّم خدمات في بعض الحالات، ومع ذلك رُفض طلبه مرارًا، بل أرسل شقيقه أيضًا لمراجعة الإدارة، دون جدوى.
أرسل عشرات الرسائل عبر البريد الإلكتروني، ورسائل أخرى عبر تطبيق "واتساب" إلى البنك، ولم يتلقَّ أي رد رسمي. الاستثناء الوحيد كان رسالة من صديق يعمل في بنك فلسطين، أخبره فيها بأن صندوقه "مفقود"، إلا أن تلك الرسالة لم تكن رسمية أو صادرة عن إدارة البنك.
يتهم عبيد البنك بالتواطؤ، ويقول إنه يعرف – بحسب معلوماته – من هم الأشخاص الذين سرقوا الصناديق، خاصة في فرع السرايا. ويشدّد على أن الفرع لم يُقتحم من قِبل جنود الاحتلال ولم يتعرض للقصف، متسائلًا: "إذا كان المبنى سليمًا، فمن سرق الصناديق؟ وكيف اختفت؟".
ويلفت إلى أن الغرف التي تحتوي على صناديق الأمانات مجهزة بكاميرات مراقبة، ما يعني – بحسب قوله – أن البنك قادر على معرفة ما جرى، بل ويستطيع تحديد المسؤولين. ويحمّل إدارة البنك المسؤولية الكاملة، مؤكدًا أنها تتحمل المسؤولية الأولى والأخيرة عن ضياع الصناديق ومحتوياتها.
ويختتم عبيد حديثه بالقول إنه في حال لم يتجاوب البنك مع مطالبهم، ولم يُعد إليهم حقوقهم أو يقدّم ردًا رسميًا، فسيتوجه إلى القضاء. 
كما يشير إلى أن سلطة النقد لم تتعاطَ مع الشكاوى والرسائل التي وُجهت إليها، لكنه ماضٍ في اتخاذ الإجراءات القانونية، مؤكدًا أنه في حال لم ينصفه القضاء المحلي، فسيتجه إلى القضاء الدولي.

35% من الصناديق مفقودة

وفي السياق ذاته، أخبرنا ربيع دويكات، مسؤول الاتصال والتواصل في بنك فلسطين، في مقابلة خاصة مع "الرسالة نت"، أن البنك رصد أن نحو 35% من صناديق الأمانات في فروع القطاع إما مفقودة أو مسروقة نتيجة الحرب الأخيرة.
وأوضح دويكات أن البنك يخطط، بعد انتهاء الحرب واستقرار الأوضاع، لإعادة فتح هذا الملف، وجمع معلومات كافية، والتواصل مع جميع أصحاب الصناديق والعملاء الذين تقدموا بشكاوى.
ويلفت ربيع دويكات إلى أن البنك لا يستطيع معرفة محتويات صناديق الأمانات. ويوضح أن العميل يدخل إلى غرفة منفصلة بمفرده، ويُغلق الباب عليه، ثم يستخدم مفتاحه الخاص لفتح الصندوق ووضع مقتنياته أو إخراجها، دون اطلاع البنك على ما بداخل الصندوق.
ويؤكد دويكات أن البنك لا يملك معلومات عن محتويات الصناديق، ولا يستطيع التحقق من صحة ما يصرّح به العملاء بشأن ما كان محفوظًا فيها، مشيرًا إلى أن العلاقة في هذا الجانب تقوم على خصوصية العميل ومسؤوليته عن محتويات صندوقه.
إلا أن هذا التصريح يتناقض مع ما قاله أصحاب الصناديق، حيث يؤكدون وجود كاميرات في غرف صناديق الأمانات والخزنات، إضافة إلى وجود نسخة أخرى من المفتاح بحوزة البنك، وهو ما يرون أنه يحمّل الإدارة قدرًا من المسؤولية ويطرح تساؤلات حول آلية الحفظ والرقابة داخل تلك الغرف.

 

بنك فلسطين: 35% من صناديق الأمانات في فروع القطاع مفقودة.

 

 


وأضاف دويكات في نهاية حديثه: "ندرك حجم الخسائر التي لحقت بأهلنا نتيجة الحرب وما رافقها من آلام ودمار، ونتفهم مخاوفكم بعد فقدان عدد من صناديق الأمانات في فروع القطاع خلال الحرب".
وكرر دويكات الرسالة التي وصلت لعدد من أصحاب الصناديق قائلًا: "إن البنك بدأ منذ اللحظة الأولى بحصر الأضرار والتواصل مع الجهات المختصة، ويعمل حاليًا على مراجعة كل الشكاوى بدقة، مع التأكيد على أنه سيتم التواصل مع كل عميل بشكل فردي حال توفر أي معلومات جديدة بخصوص صندوقه".
وختم بالقول: "نؤكد احترامنا الكامل لحقوق عملائنا، وحرصنا على الشفافية، والتزامنا ببذل أقصى جهد ممكن ضمن الظروف القاهرة التي تمر بها محافظتنا الحبيبة. نعتذر عن أي تأخير في الرد نتيجة الظروف التشغيلية الصعبة، ونعدكم بأننا سنتابع الإجراءات إداريًا وقانونيًا".
ورغم مرور وقتٍ طويل، يتساءل أصحاب الشكاوى: هل المدة لم تكن كافية لأن يُعيد البنك ترتيب أوراقه على الأقل، أو أن يقدّم ردًا واضحًا ومباشرًا لهم بشأن مصير صناديقهم؟
يتساءلون: لماذا لم يصدر توضيح رسمي ومفصّل يشرح ما الذي حدث تحديدًا؟ أين اختفت هذه الصناديق، لا سيما تلك الموجودة في فروع لم تتعرض لقصف أو تدمير أو حتى اقتحام؟ وأين دور سلطة النقد؟!
وللوقوف على دور سلطة النقد في هذه القضية، تواصلت معدّة التحقيق مع ريان حنتولي، مسؤول الاتصال والتواصل في سلطة النقد، للاستفسار عن ملف بنك فلسطين والإجراءات المتخذة حيال ما حدث، إلا أنه لم يرد على الرسائل رغم تكرار التواصل أكثر من مرة حتى لحظة إعداد هذا التحقيق.
وفي السياق ذاته، يتهم أصحاب الصناديق سلطة النقد بالتواطؤ أو بمحاولة عدم تصعيد الأمر مع بنك فلسطين، بدعوى وجود معايير خاصة أو مصالح تحول دون اتخاذ إجراءات واضحة في القضية.
ويؤكد عدد منهم أن أقلّ ما يمكن أن يُقدَّم هو تفسير مقنع وشفاف، يبدد الشكوك ويضع حدًا لحالة الغموض التي تحيط بالملف.
ويبقى السؤال الذي يطرحه المتضررون معلّقًا: هل كان ما حدث نتيجة خلل إداري وأمني جسيم، أم أن هناك تواطؤًا كما يتهم بعض أصحاب الصناديق؟ سؤال ينتظر إجابة.

رأي القانون

وعن رأي القانون، قابلت معدة التحقيق المستشار القانوني أحمد المصري للتعقيب على هذه القضية والموقف القانوني لأصحاب الأمانات، حيث لفت إلى أن العلاقة التي تربط أي بنك بالعميل هي في الأساس علاقة تعاقدية، تقوم على نظام العقود بين الطرفين. 
ويوضح أن هذه العلاقة تنقسم عادة إلى نوعين: الودائع والأمانات، مشيراً إلى أن نظام الودائع يتمتع بحماية قانونية أكبر نسبياً، بينما تكون شروط العلاقة في نظام الأمانات غالباً مفروضة من قِبل البنك.
ويطرح المصري تساؤلاً عمّا إذا كان البنك يتحمل المسؤولية في هذه القضية، خاصة أن المشكلة تتعلق بنظام الأمانات.
ويجيب مؤكداً أن الأطر القانونية الناظمة لهذه المسائل موجودة بالفعل في القانون المدني، ومجلة الأحكام العدلية، وقانون العقوبات لعام 1936، الذي يتضمن جانباً جزائياً يتعلق بمثل هذه الحالات.
ويوضح أن العميل يوقّع عقداً مع البنك لحفظ الأمانات داخل الصناديق الخاصة، من دون أن يكون البنك على علم بمحتواها. وبحسب هذا العقد، يتحمل العميل مسؤولية ما يوجد داخل الصندوق، في حين يتحمل البنك مسؤولية توفير الحماية والحفظ لهذه الأمانات.
ويشير المصري إلى أن البنك برر ما حدث بالقول إن الحرب عرّضت الأمانات للسرقة، إلا أن هذا التفسير – بحسب قوله – بقي عاماً وغير مفصل، خاصة أن المعلومات المتوفرة لم تُثبت وقوع أي حالة سرقة في فروع البنك.
ويضيف أنه عند النظر إلى المسؤولية المدنية والجزائية المشتركة، فإن البنك وإدارته يتحملان جانباً من المسؤولية بوصفهما الجهة المكلفة بحفظ هذه الأمانات، لافتاً إلى أن البنك لم يقدم مبرراً واضحاً لضياع الصناديق، كما رفض السماح للعملاء بمعاينة الأمانات أو التحقق منها.
ويعتبر المصري أن هذا السلوك قد يضع البنك تحت شبهة تبديد الأمانات، إضافة إلى مسؤوليته بصفته حارساً للأشياء أو الأمانات، وهي مسؤولية نص عليها القانون المدني الفلسطيني.
ويؤكد أن الفصل النهائي في هذه القضية يعود إلى القضاء الفلسطيني، مشيراً إلى أن المشكلة تفاقمت بسبب عدم تقديم البنك تفاصيل كافية أو التعامل مع القضية باعتبارها قضية خطيرة، واكتفائه باعتبار الحرب قوة قاهرة تسببت بضياع هذه الصناديق.