"على آخر شارع الجلاء شمال مدينة غزة، لم ينتهِ طابور انتظار ربطة الخبز عند حدّ الإرهاق وطول الساعات، بل تحوّل إلى شجار أسفر عن إصابة عدد من المواطنين، وأحدث حالة من الفوضى، في منطقة تُعد من أكثر المناطق حيوية لسكان شمال القطاع.
هذا الشجار، الذي كان يمكن أن ينتهي بسقوط إصابات وقتلى، اندلع إثر خلاف بين مواطنين وصاحب نقطة لبيع ربطات خبز جاهزة، وهي نقاط باتت تنتشر في أرجاء قطاع غزة.
فظاهرة الخلافات والمشاكل المرتبطة بالحصول على الخبز برزت إلى واجهة المجتمع الغزي بعد شنّ الاحتلال حرب الإبادة على غزة منذ 7 أكتوبر 2023، والتي دُمّرت خلالها البنية التحتية والخدماتية والاقتصادية في القطاع.
غير أن أزمة الخبز بدت الأقسى والأكثر إيلامًا خلال حرب الإبادة على قطاع غزة؛ لأنها مسّت حاجة أساسية حُرم منها المواطنون لأشهر طويلة، على إثر منع (إسرائيل) إدخال الدقيق والمواد اللازمة لإنتاج الخبز.
انتظار مجهول!
وباتت مشاهد طوابير انتظار الخبز الجاهز على أبواب المخابز ونقاط البيع مشهدًا يوميًا متكررًا في قطاع غزة، تمتد لساعات تحت البرد القارس وأمطار الشتاء، على أمل الحصول على ربطة خبز تُباع بسعر ثلاثة شواكل.
وفي محاولة لفهم ما يجري داخل نقاط البيع، توجّه فريق التحقيق، في مرحلة أولى، إلى إحدى نقاط بيع الخبز المنتشرة شمال غزة، وما إن وصل حتى تكشّفت صورة واضحة لحجم المعاناة اليومية، حيث طوابير طويلة يقف فيها رجال وأطفال وشبان لساعات، في انتظار دور قد لا يأتي من أجل الحصول على ربطة "خبز جاهزة".
وبحسب تقدير فريق التحقيق، ضمّ أحد الطوابير أكثر من 80 شخصًا، في مقدمته أكثر من 30 طفلًا وشابًا، وقد بدا واضحًا لمُعدّي التحقيق أن عددًا منهم يعملون ضمن مجموعة واحدة، يتبادلون الحديث فيما بينهم حول عدد ربطات الخبز التي سيحصلون عليها، وتكلفتها، وما يمكن تحقيقه من أرباح نهاية اليوم.
وخلال وقوف الفريق بالقرب من الطابور، همس شاب يبلغ من العمر نحو 24 عامًا لآخر، متحدّثًا بثقة عن أن "غلّته" هذا اليوم ستكون الأعلى، مؤكّدًا نيّته احتكار ورفع سعر ربطة الخبز إلى سبعة شواكل، بعد أن تمكّن من الحصول على 30 ربطة خبز من إحدى النقاط الأخرى، إضافة إلى 15 ربطة سيحصل عليها الآن.
وأما في نهاية الطابور، فيقف المواطن رمزي الهبيل، وقد بدت ملامح الغضب ظاهرة على وجهه، وهو يتحدث إلى ابنه بأن الحصول على ربطة الخبز بات أشبه بالمستحيل، بعد أن تبيّن له أن من يقفون في مقدمة الصف هم تجّار السوق السوداء، وأن الدور لن يصل إلى بقية المنتظرين، في ظل كميات لا تكفي حتى لو وُزّعت ربطة واحدة لكل شخص.
هذه المشاهد دفعت فريق التحقيق إلى سؤال المواطن الهبيل، البالغ من العمر (55 عامًا)، حيث قال للفريق: "منذ ساعة ونحن ننتظر فقط لنشتري ربطة خبز بثلاثة شواكل، لكن الخبز يُباع للتجّار أمام أعيننا، ولا نستطيع فعل شيء، وفي النهاية نُجبر على الشراء من السوق السوداء بسعر مضاعف".
ويضيف المواطن رمزي الهبيل، الذي تعرّض لإصابة في ساقه اليمنى إثر قصف منزله: "موضوع الخبز والحصول عليه أصبح أمرًا مرهقًا ومتعبًا لكل المواطنين، وحتى الآن لا توجد أي جهة مسؤولة في غزة قادرة على حل هذا الملف وتخفيف معاناة الناس".
ويكمل حديثه بعد خروجه من طابور انتظار الحصول على الخبز، بصوت مرتفع: "طالما هناك من لا يخاف الله، سنظل نعاني ونتألم… أرحمونا يا عالم… الله ينتقم من التجار وكل من يمنعنا من الحصول على ربطة خبز بسعرها المناسب".
وعلى ضوء ما وثّقه فريق التحقيق خلال البحث الأولي حول هذه الأزمة، تقرر فتح هذا الملف الذي يرهق المواطنين ويهدّد حياتهم، لمعرفة سبب الأزمة والمستفيدين منها، ووضع الحلول لإنهاء هذه الظاهرة التي تمثل ناقوس خطر يقرع آذان المواطنين يوميًا ويهدّد أمنهم واستقرارهم.
دور المخابز!
التقى فريق التحقيق أحمد كامل عجور، صاحب مجموعة مخابز "كامل عجور"، الذي استقبل الفريق بأسلوب ساخر، محاولًا التقليل من أهمية القضية، مكررًا عبارات: "الموضوع المطروح مكرر… نصيحة ابعدوا عن هذه القضايا… البلد واقعة"، في محاولة للتشويش على الفريق والتقليل من عملهم، وكأن معاناة وآلام الناس في الحصول على ربطة خبز لا تعني له شيئًا، وأن الأرواح التي زهقت خنقًا على أبواب المخابز ليست ذات أهمية.
ويقول أحمد عجور إن المخبز يعمل لصالح برنامج الغذاء العالمي (WFP)، الذي يزوّده بالطحين والسولار، مقابل إنتاج الخبز وتوزيعه عبر نقاط بيع معتمدة.
ويشير إلى أن سعر الخبز لنقطة البيع هو شيكلان، بينما يُباع للمواطن النهائي بثلاثة شواكل، وأن أي فائض يُستخدم لتغطية رواتب العمال أو شراء مستلزمات العجين من ماله الخاص، مقرًّا بأنه لا يتعامل مع السوق السوداء، وفق ما تحدث به لفريق التحقيق.
ويؤكد وجود متابعة من مؤسسة AMCC التابعة للبرنامج، مع إجراءات أمنية على بوابة المخبز لضبط خروج العمل داخل المخبز، موضحًا أن المخبز يوزّع الخبز على سبع إلى عشر نقاط بيع جميعها معتمدة من قبل برنامج الغذاء العالمي، ولا يتم تسليم الخبز لأي جهة غير محددة رسميًا من المنظمة.
لكن خلال الحديث مع أحمد عجور، أقرّ في بداية حديثه بأن وزارة الاقتصاد ومباحث التموين تقومان بجولات منتظمة على مخبزه للرقابة، وعند مواجهته بأن الجهات المسؤولة لا تقوم بدور رقابي في الوقت الحالي، عاد وأقرّ بأن وزارة الاقتصاد ومباحث التموين لا تقومان حاليًا بجولات رقابية بسبب الأوضاع الأمنية في القطاع.
نواجه تحديات صعبة!
وخلال البحث عن الجهة المسؤولة عن متابعة هذا الملف، واجه فريق التحقيق صعوبات في الوصول إلى مباحث التموين نظرًا للظروف الأمنية التي يشهدها قطاع غزة، من اغتيالات واستهداف مستمر للأجهزة الأمنية، حيث ارتقى المئات منهم أثناء تنفيذ عملهم في متابعة الأسواق وتأمين المساعدات.
لكن فريق التحقيق التقى بأحد ضباط مباحث التموين، الذي اشترط عدم ذكر اسمه في التحقيق بسبب الظروف الأمنية فقط، حيث قال: "إن ملف المخابز كان من أكثر الملفات صعوبة خلال حرب الإبادة، حيث واجهنا كثيرًا من العقبات أمام عملنا، منها الاستهداف المباشر من الاحتلال لطواقمنا، ما سهّل على الخارجين عن القانون والمستغلين لمعاناة شعبنا التلاعب بقوت الخبز".
ويوضح الضابط في حديثه لفريق التحقيق أنه، رغم حرب الإبادة وهذه الصعوبات، عملوا في الميدان لضبط عملية بيع الخبز، مشيرًا إلى أن المخابز التي تعمل للمنظمات الدولية يقتصر دورنا خلالها على تنظيم عملية البيع من الخارج، دون وجود رقابة داخل المخبز في كثير من الأحيان.
وينوّه إلى أن هذا الشرط فتح الباب على مصراعيه لكثير من أصحاب المخابز والعاملين للتجاوز في عملهم، ما أدى إلى مشاكل عائلية وشجارات أسفرت عن إصابات وقتلى في صفوف المواطنين، إضافة إلى حرمانهم من الحصول على ربطة خبز جاهزة.
وأقرّ الضابط بأن الطواقم المخصصة أوقفت عددًا من نقاط البيع خلال الأسابيع الماضية، بعد ثبوت تورطها في بيع ربطات الخبز الجاهزة بأسعار مرتفعة.
وأكدت مباحث التموين أن فرقها باشرت العمل على تنظيم الأسواق ومراقبتها، وأن ملف الخبز سيكون حاضرًا لإنهاء معاناة المواطنين وتسهيل حصولهم على الخبز الجاهز المدعوم، متوعدةً بملاحقة كل المتورطين قانونيًا.
دور برنامج الغذاء العالمي!
وبعد أن طرقت المجاعة أبواب غزة واستمرت لأكثر من عام، عملت المنظمات الإنسانية، وعلى رأسها برنامج الغذاء العالمي (WFP)، على تشغيل عدد من المخابز من خلال توفير الدقيق والوقود والمستلزمات الأساسية.
غير أن تشغيل برنامج الغذاء العالمي للمخابز في غزة قيّد من عمل الجهات المسؤولة في القطاع على متابعة هذه المخابز، فيما عملت المنظمات على توظيف مشرفين ومراقبين على آلية إنتاج الخبز وتوزيعه للمواطنين بطرق عدة.
لكن هذا الواقع استُغل من قبل بعض العاملين في المخابز وأصحابها، في ظل غياب رقابة الجهات الحكومية المسؤولة في غزة، للتلاعب بهذا الملف عبر تهريب وبيع الخبز في السوق السوداء.
كيف يُهرَّب الخبز إلى السوق السوداء؟
وتوصل فريق التحقيق إلى معلومات حساسة من مصدر خاص داخل أحد المخابز في غزة، كشف خلالها عن طرق تهريب ربطات الخبز المدعومة إلى السوق السوداء، مؤكدًا أن الأمر يتم عبر عدة أساليب منظمة.
ويقول المصدر: "إن برنامج الغذاء العالمي للمخابز يوفّر كل مستلزمات الإنتاج من دقيق ووقود ومواد تشغيل، لتصبح تكلفة الربطة الجاهزة ثلاثة شواكل، تشمل النقل وأجور العاملين وهامش الربح، بينما يعمل بعضها بنظام أكثر من وردية يوميًا، وبعد الإنتاج تُخزَّن الربطات في مستودع خاص، ويقوم مشرف تابع للبرنامج بعدّ الكميات وإغلاق المكان بانتظار التوزيع الرسمي".
ويشير إلى أنه بعد مغادرة المشرف، يستغل بعض العاملين غياب الرقابة لتهريب كميات كبيرة، تُباع لاحقًا بأسعار مضاعفة، حيث تُقدَّر نسبة التهريب بما لا يقل عن نصف الكمية اليومية.
ووفق المصدر الخاص، الذي يعمل في أحد المخابز، فإن تهريب الخبز الجاهز يتضمن أساليب عدة، أولها التلاعب بجودة الخبز، سواء من حيث الحجم أو درجة الاستواء، لتوفير فائض يُعاد إنتاجه خارج الإطار الرسمي أو يُباع الوقود والغاز في السوق.
ومن ضمن طرق تهريب الخبز الجاهز، بحسب المصدر، الاتفاقات المباشرة بين بعض المخابز ونقاط بيع، حيث تُباع الربطة بسعر خمسة شواكل ثم تصل إلى المواطن بسعر سبعة شواكل.
ويكشف المصدر أن العاملين في إدارة بعض المخابز يقومون بتقليل عدد الأرغفة داخل الربطة الواحدة المخصصة للتوزيع، واستغلال الفائض لإعداد ربطات أخرى تُباع لاحقًا في السوق السوداء.
وقبل حرب أكتوبر 2023، كان يعمل في القطاع أكثر من 140 مخبزًا، مع رقابة منتظمة، لتغطية احتياجات السكان اليومية، لكن الحرب دمّرت غالبية المخابز، ليبقى أقل من 50 مخبزًا آليًا ونصف آلي، توقّف كثير منها عن العمل بسبب نقص الدقيق والوقود.
نقاط بيع الخبز!
وأجرى فريق التحقيق جولات ميدانية شملت أكثر من 20 نقطة لبيع الخبز الجاهز في مدينة غزة ووسطها، حيث التقى الشاب مؤمن حسان، صاحب نقطة بيع للخبز الواقعة في شارع النفق، وقال: "أحصل على ربطات الخبز الجاهزة بعد أن أدرجني برنامج الغذاء العالمي لأكون مؤهلًا لبيع الخبز، يصلنا الخبز يومًا بكميات غير ثابتة".
وأشار حسان إلى أن الكميات التي تصله في معظم الأيام لا تلبّي حاجة السكان في المنطقة، ما يوقعه في مشاكل وصراعات مع المواطنين، رغم ما يحظى به من ثقة وأمانة ومسؤولية مجتمعية.
واشتكى صاحب نقطة البيع من أن بعض المخابز تفرض شروطًا قاسية، أبرزها إلزامه بالدفع بعملة "الفِكّة"، ورفض استلام أي فئة نقدية أخرى، سواء أوراق زرقاء أو غيرها، ما يزيد من معاناة المواطنين ويدخله في إشكالات متكررة.
وتشير مشاهدات فريق التحقيق إلى أن عملية البيع تخضع لشروط صارمة، إذ يُشترط على من يصل دوره امتلاك فِكّة بقيمة ثلاثة شواكل فقط، دون قبول أي فئة نقدية أخرى، ما يتسبب في إرباك إضافي للمواطنين ويطيل أمد الانتظار، في مشهد يعكس حجم التعقيد والضغط الذي يرافق الحصول على أبسط مقومات الحياة.
نعمل لمنع تهريب الخبز!
حمل فريق التحقيق هذا الملف الخطير إلى وزارة الاقتصاد في غزة، حيث تواصل مع الدكتور محمد بريخ، الذي قال: "لا بد من فهم آلية عمل المخابز، فالقسم الأول مدعوم من برنامج WFP ويقدّم الخبز للمخيمات والنازحين مجانًا، والقسم الآخر يوزّع عبر نقاط بيع معتمدة تتبع للبرنامج بسعر شيكلين، ويباع للمواطن بثلاثة شواكل بسبب تكاليف النقل والمواصلات".
وأشار الدكتور بريخ إلى أن ما يحدث يتمثل في تسريب جزء من ربطات الخبز المدعوم إلى السوق السوداء وبيعها بأسعار أعلى من السعر الرسمي، تصل أحيانًا إلى أكثر من سبعة شواكل.
وأكد أن للوزارة دورًا في منع هذا التسريب، سواء من داخل المخابز أو عبر نقاط البيع المعتمدة، مشيرًا إلى أنه تم إيقاف عدد من المخابز ونقاط البيع المخالفة بالتعاون مع برنامج الغذاء العالمي.
تجاوزات العاملين في المخابز!
وخلال عملية التقصّي، حصل فريق التحقيق على معلومات من أحد الشبان العاملين في بيع الخبز قرب مفترق السرايا وسط مدينة غزة، حيث أكد أنه يحصل يوميًا على أكثر من 50 ربطة خبز من أحد المخابز، رافضًا الكشف عن اسمها، بعد تنسيق مع أحد العاملين الذي يتقاضى أربعة شواكل عن كل ربطة، إضافة إلى عدد من السجائر.
وأوضح الشاب، البالغ من العمر 29 عامًا، أن الأوضاع المعيشية الصعبة في غزة تدفع بعض العاملين في المخابز إلى ابتزاز الشبان عبر بيعهم الخبز بأسعار أعلى، ما ينعكس مباشرة على المواطن الذي يُجبر على الشراء بأسعار مرتفعة وبشروط مجحفة، أبرزها «الفِكّة».
يضاعف من معاناة المواطنين!
طرق فريق التحقيق باب الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر لمعرفة الآثار الحقيقية لهذه الأزمة على المواطنين وسبل معالجتها.
ويقول أبو قمر: "إن ارتفاع أسعار الخبز كان ملحوظًا خلال فترات سابقة بسبب عوامل عدة، أبرزها منع الاحتلال إدخال الدقيق"، موضحًا أنه في الوقت الحالي تُباع الربطة في المخابز بثلاثة شواكل، بينما تصل في السوق السوداء إلى خمسة أو ستة شواكل.
وأضاف أن "شراء الخبز الجاهز بات يصطدم بأزمة الفِكّة، التي تعرقل عملية الشراء وتدفع المواطن إلى اللجوء للسوق السوداء، ما يؤكد أن أزمة الخبز مرتبطة بشكل مباشر بأزمة السيولة النقدية".
وردًا على سؤال حول العلاقة بين أزمة الفِكّة والممارسات التجارية غير القانونية، أوضح أبو قمر أن احتكار بعض التجّار وتكديس الأموال، في ظل نقص السيولة، يزيد من حدة أزمة الفِكّة ويؤدي إلى تضخم أسعار الخبز، وهو ما برز بوضوح خلال الحرب.
وأكد أن الحلول تبدأ بإعادة فتح جميع المخابز وضمان عملها بكامل طاقتها، وتوفير الوقود بشكل مستدام، وضمان تدفّق الطحين بكفاءة كما كان الحال قبل الحرب، إضافة إلى تعزيز الرقابة على حركة الفِكّة ومتابعة وصولها إلى المستهلكين، وتشديد الرقابة على بيع الخبز لمنع الاحتكار والسوق السوداء.
أزمة استُغلّت لتحقيق مكاسب مالية!
واستنتاجًا مما سبق، يرى فريق التحقيق أن أزمة الخبز الجاهز في قطاع غزة لم تعد مجرد نتيجة للحرب ونقص الموارد، بل تحولت إلى أزمة مركّبة تتداخل فيها عوامل إنسانية ورقابية واقتصادية، استغلها بعض أصحاب المخابز والعاملين ونقاط البيع لتحقيق مكاسب غير مشروعة على حساب قوت المواطنين.
وأثبت التحقيق أن ربطة الخبز المدعومة، التي يُفترض أن تصل إلى المواطن بسعرها الرسمي، تمرّ بمسار طويل من التسريب المنظّم، يبدأ من داخل بعض خطوط الإنتاج، ويمر عبر نقاط بيع غير منضبطة، لينتهي في السوق السوداء بأسعار مضاعفة، في ظل غياب رقابة فاعلة داخل المخابز العاملة تحت إشراف المنظمات الدولية.
كما يبيّن التحقيق أن القيود المفروضة على الجهات الرقابية، وتغييب مباحث التموين بفعل الاستهدافات والظروف الأمنية، خلق فراغًا استغلته مجموعات وأفراد، وأحيانًا عائلات متنفذة، لفرض سيطرتها على الخبز المدعوم، ما أدى إلى شجارات دامية وسقوط ضحايا، وتحويل طوابير الخبز إلى بؤر توتر يومي تهدّد السلم المجتمعي.
حلول لإنهاء هذه الظاهرة!
وفي ظل واقع إنساني هش يعيشه قطاع غزة، حيث لا تزال احتمالات تجدّد الحرب وتشديد الحصار قائمة في أي لحظة، يرى فريق التحقيق أن معالجة هذا الملف تتطلب حلولًا واضحة تهدف إلى حماية أرواح المواطنين، من خلال إعادة تشغيل جميع المخابز المتوقفة وضمان عملها بكامل طاقتها الإنتاجية، مع توفير الوقود والطحين بشكل مستقر ومنتظم، بما من شأنه إعادة دورة الإنتاج إلى مستوياتها الطبيعية كما كانت قبل الحرب.
كما يشدد فريق التحقيق على ضرورة ملاحقة السوق السوداء قانونيًا، وضبط نقاط البيع، ومعالجة أزمة الفِكّة التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من أزمة الخبز وأسهمت بشكل مباشر في تفاقم الاحتكار وارتفاع الأسعار.
ملاحظة:
أُعدّ هذا التحقيق الطالبات: فرح نصر الريفي، وغيداء مصطفى الشوا، وملك محمد أبو عبده، وإسلام نجم، وذلك ضمن مساق الصحافة الاستقصائية بإشراف الدكتور خضر الجمالي، ومتابعة الصحفي محمد العرابيد، الذي أشرف على سير عملية التحقيق والتأكد من جميع المعلومات الواردة.