سفارات وأزمات

ماجد أبو مراد
ماجد أبو مراد

ماجد أبو مراد

تمتلك السلطة الفلسطينية قائمة طويلة جداً من السفارات والقنصليات والبعثات الدبلوماسية المنتشرة حول العالم في كل القارات، وربما يصل عدد تلك السفارات إلى أكثر من "120" وهو عدد كبير قد يفوق عدد سفارات الولايات المتحدة الأمريكية.

جميع هذه السفارات أو معظمها ممتلئ حد التخمة -إذا صح التعبير- بالطواقم الدبلوماسية والإدارية والإعلامية والملحقين وغير ذلك من مسميات لا طائل منها ولا فائدة سوى ارهاق الموازنة العامة واستنزاف خزينة السلطة مالياً نظراً لارتفاع سلم رواتبهم.

وإذا أمعنت النظر وتفكرت ولو قليلاً في الأمر تجد أن الدول الأخرى تقرر افتتاح سفاراتها هنا أو هناك بناءً على عدة اعتبارات من أهمها عدد الجالية المتواجدة في هذه البلاد أو تلك، بالإضافة لمصالح الدولتين الاقتصادية والتجارية والسياسية والعسكرية، ونظراً ومراعاة لأسباب أخرى لا يتسع المقام لذكرها، بينما سلطتنا "المبجلة رعاها الله" تجدها تضرب بعرض الحائط بكل المعايير العلمية والأسباب المنطقية لافتتاح السفارات، وتمضي قدماً في زيادة غير محسوبة لأعداد السفارات دون أي فائدة عائدة جراء ذلك على الشعب الفلسطيني.

هذه السفارات والكيانات الدبلوماسية تعاني في تعيين طواقمها من غياب المعيارية والشفافية والنزاهة والكفاءة، حيث يتم التعيين لأسباب تتعلق بالرغبة الشخصية ولأسباب عائلية أو فصائلية أحياناً، وليس بناءً على مواصفات مهنية ومعايير منطقية، لذلك تجدها منفلتة ومتحللة من التزاماتها وواجباتها في معظم الأحيان.

والحقيقة أن السفارات لا تقوم على رعاية الجالية الفلسطينية المتواجدة في هذه الدولة أو تلك، علاوة على تحولها في بعض الأحيان لمقرات استخبارية تتلصص على الدول أو الأفراد أو أبناء الجالية، وربما تسببت بشكل أو بأخر بالموت لبعضهم كما حدث مع القيادي والمناضل عمر النايف، بسفارتنا في بلغاريا.

وعلى الرغم من أننا كشعب فلسطيني نعاني من أزمات كبيرة تسبب بمعظمها الاحتلال، في حين تسببت السلطة ببعضها والانقسام بالبعض الأخر، فإن السؤال المطروح في هذه السطور، هل مارست السفارات دورها الريادي المفترض في حلحلة أو تخفيف الأزمات التي يعانيها شعبنا؟

ولماذا لم تقم تلك البعثات والقنصليات بواجباتها الوطنية تجاه تحسين صورة شعبنا وتجلية مظلوميتنا العظيمة في أذهان أحرار العالم علاوة على المستويين الرسمي والشعبي؟ وهل رعت سفاراتنا الجاليات وواكبت هموم أبنائنا المشتتين في أنحاء العالم؟ طبعا الإجابة على كل التساؤلات السابقة سلبية بكل تأكيد وهذا يؤكده المراقبون والإحصائيات الرسمية والأهلية وتقديرات عمداء الجاليات بالخارج.

ولإصلاح هذا الخلل الدبلوماسي والوطني الكبير ينبغي أولاً إجراء مراجعات شاملة وعامة لأهلية الشخصيات المُعينّة والعاملة بالسفارات أو على الأقل للسفراء ومن هم في حكمهم، وكل المستويات العليا والوظائف السيادية بالسفارات بغية تنقيتهم من الغث والخبث والطالحين أعداء الوطن والمنتفعين كافة.

 وفي خطوة ثانية يجب الانطلاق نحو تعيين سفراء وقناصل يتمتعون بالكفاءة والخبرة المهنية ويحترمون المواطن ويبذلون من أجل الوطن الغالي والنفيس ويعملون لخدمة جالياتنا في الشتات، ثم النظر في اغلاق بعض السفارات علاوة على دمج بعضها ببعض لتقليل تكلفة وفاتورة ومصاريف تلك المؤسسات الدبلوماسية.

ومن الواجب أيضاً متابعة أداء السفراء والقناصل وطواقم العاملين بها لضمان قيامهم بواجباتهم تجاه جالياتنا ورعاية مصالحنا الوطنية في الدول التي يقيمون بها، بالإضافة لإعادة النظر في منظومة القوانين الناظمة لعمل السفارات وتشديد المواد القانونية التي تحدد العقوبات على المخالفين من أعضاء السلك الدبلوماسي، لعلنا نصل لأداء دبلوماسي مشرف وناضج يليق بشعبنا وتضحياته الجسيمة.