تحقيق كشفته صحيفة هآرتس

شهداء الصفصاف.. أرواحهم تخرج من الحفرة بعد 70 عاما

القبر الجماعي
القبر الجماعي

الرسالة- رشا فرحات  

في التاسع والعشرين من أكتوبر من عام 1948 دخل جيش الاحتلال الإسرائيلي قرية الصفصاف في نقطة بعيدة على سواحل الجليل الأعلى، فاختبأ الناس في بيوتهم القديمة وارتعشت فرائص الأطفال والنساء، بينما بهت الرجال، وكان هناك جيش عربي ما، في قرية لم تكتب بعد على الخارطة يدافعون كما يقولون عن الأرض من عصابات محتل يتغنى الآن بالديمقراطية.

في البدء كانت صبية في عمر الرابعة عشر، تسير بين كروم العنب حينما اغتصبها جنود الهاجانا، بينما اختبأت رفيقاتها الثلاث خلف الحائط الطيني باكيات قبل أن يلقين نفس المصير.

هناك أيدي لنساء قد بترت ليسرق منها مصاغها، وأصابع قطعت على سبيل التسلية والاستمتاع بالسرقة.

اغتصاب وقتل، قبل جمع 52 فردا من أهالي القرية وإطلاق النار عليهم ودفنهم في غرفة جماعية وهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة أو يصارعون الموت.

لم تعترف (إسرائيل) في ذلك الوقت، والتزم العالم الصمت متواطئا، وادعت (إسرائيل) أنها عقدت لجان تحقيق في المجزرة، ولكنها دفنت في ذات الحفرة التي دفنوا فيها شهداء الصفصاف أحياء.

ولأن لكل شيء إشارة فقد ذكرت المجزرة على لسان مرتكبيها، وثمة مصدر رئيسي يتمثل في مذكرات ضابط الهاجانا الكبير يوسف نحماني، الذي كان أيضا مديرا للصندوق القومي اليهودي في الجليل الشرقي من عام 1935 حتى عام 1965.

وقد زار نحماني الصفصاف أو المنطقة المحيطة بها في 6 نوفمبر من عام 48، برفقة وزير شؤون الأقليات الإسرائيلية آنذاك بخور شالوم شيطريت، واستمع الرجال إلى إحاطة من إيمانويل فريدمان، ممثل وزارة شؤون الأقليات، الذي تكلم عن "الأعمال الوحشية التي ارتكبها جنودهم"، ورغم أن الحكومة الإسرائيلية قد أفرجت عن مذكرات نحماني في أوائل الثمانينات من القرن الماضي، لكنها كانت تخلو من أي ذكر لمجزرة الصفصاف.

في ذلك اليوم كتب نحماني حسب المصادر المسربة: "في الصفصاف، بعد أن رفع السكان علما أبيضا، قام مرتكبو الجريمة بجمع وفصل الرجال والنساء، وقيدوا أيدي 50–60 من الفلاحين، وأطلقوا النار عليهم وقتلوهم ودفنوهم في حفرة، واغتصبوا أيضا عدة نساء".

وبعد ذكر الأعمال الوحشية والمجازر المشابهة في قرى أخرى—عيلبون، والفراضية، وصلحة—يكتب نحماني ما يلي: "أين يأتون بهذا القدر من القسوة، مثل النازيين؟ فهل لا توجد وسيلة أكثر إنسانية لطرد السكان أكثر مما تفعله هذه الأساليب؟

وفي مؤرخات كتبها المختص بالتاريخ الشفوي نافذ نزال عن شهادات القرويين الباقين بعد مجزرة الصفصاف حيث شهدوا بأن الجنود دخلوا الصفصاف وقتلوا ما بين ستين إلى سبعين فردا ودفنوهم وبعضهم ما زال حيا في حفرة كبيرة.

وفي شهادة الحاج محمد دغيم من قرية الصفصاف الذي ولد فيها عام 1932 حيث سجلت له شهادة عام 2004 واصفا فيها جيش الإنقاذ في ذلك الوقت بأنه كان مدافعا حتى بزوغ الفجر وينتظر المدد العربي ولكن لم يأت أحد! حتى استسلمت الصفصاف بأكملها، ولكن الاستسلام لم يكن شفيعا لهم فقد بدأ الجنود حوالي الساعة العاشرة والنصف صباحا بجمع القرويين وفصل النساء عن الرجال.

يقول الحاج دغيم: أذكر وقتها كيف قتلوا الرجال مجموعات مجموعات وعلى دفعات أمام أعين نسائهم وبناتهم وبدأت عصابات الصهيونية بارتكاب المجازر على مدار أربع وعشرين ساعة، وفي الليل حاول بعض الناس الهروب خوفا مما رأوه من حالات اغتصاب لأن عمليات الاغتصاب والقتل استمرت حتى اليوم الثاني، حتى أذكر أن من شاهدوا المجازر في اليوم السابق جمعوهم في سيارة نقل وحفروا حفرة ودفنوهم أحياء حتى لا يكونوا شهودا على المجزرة.

ويضيف: دفنت الجثث وكانت الصورة لا يمكن أن توصف، وتلك الصورة التي دفعتنا للخروج من الصفصاف لاحقا بعد أن هدأ كل شيء، ودفن الموتى وتجرعت الأرض حزنها، ولكننا لم نستطع البقاء، وذهبنا إلى لبنان.

اليوم وبعد 71 عاما من الإنكار تكشف فصول المجزرة، ويخرج شهداء الصفصاف من الحفرة بعد أن تكشفت الحقيقة التي نشرتها صحيفة هآرتس العبرية ضمن تحقيق نشر الجمعة الماضية، بعدما كانت تحجب وثائقها وزارة الحرب الإسرائيلية في قسم سري، ولكنها اليوم أخرجت إلينا شهداء الصفصاف من حفرتهم ليثبتوا للعالم أن هناك شعبا على كل شبر من هذه الأرض، دفنتهم العصابات الصهيونية لتسرق أرضهم.