إطلاق النار العشوائي جريمة خارج الحسبان

إطلاق النار العشوائي جريمة خارج الحسبان
إطلاق النار العشوائي جريمة خارج الحسبان

 الرسالة نت  - محمود فودة

 لم يدرك الحاج سمير وشاح أن جلوسه على باب منزله في مخيم البريج وسط قطاع غزة كاد أن يكلفه حياته، بعد أن أصابته رصاصة طائشة في رأسه، ليتم تحويله إلى مستشفى الشفاء لخطورة حالته إلى أن تعافى بعد أيام من تلقي العلاج، إلا أنه إلى يومنا هذا لا يدري أين يبحث عن حقه.

وفي تفاصيل الحادثة، يقول الصحفي محمد وشاح نجل المصاب سمير لـ"الرسالة" إن والده أصيب في شهر أغسطس الماضي، أثناء جلوسه أمام باب البيت، في مخيم البريج، برصاصة في رأسه، ولولا لطف الله والتدخل الجراحي لأدت الرصاصة إلى مضاعفات في حالته الصحية قد لا يتعافى منها للأبد.

ويضيف وشاح أن إصابة والده بالإضافة إلى مواطنة أخرى من عائلة النجار في نفس الساعة، تزامن مع وجود مناسبة فرح لدى إحدى عائلات المخيم، إلا أننا لا يمكن أن نجزم بمسؤولية العائلة عن إصابة والدي، ولا يمكن تقديم شكوى لدى الجهات المعنية ضد أي شخص، لتبقى القضية مقيدة ضد مجهول حتى إشعار آخر.

وتسببت حوادث إطلاق النار العشوائي في قطاع غزة خلال مناسبات الأفراح والأحزان والمناسبات الوطنية، إلى وقوع ضحايا كثر، وفيات وإصابات منها إعاقات دائمة، ما استدعى حراكا حقيقيا بين الجهات المعنية المتمثلة في النيابة العامة والشرطة الفلسطينية خلال الأشهر الأخيرةـ، مما أسهم في تخفيف أضرار هذه الظاهرة.

ونظرا إلى ما سبق، اتجه معد التحقيق إلى البحث في أصول هذه الظاهرة، وآثارها الاجتماعية والنفسية، ومتابعة ملف الضحايا الذين تعرضوا للإصابة نتيجة إطلاق النار العشوائي، وكذلك الموقف القانوني والشرعي منها.

الأثر النفسي والاجتماعي

بالإضافة إلى الضحايا، فإن هناك فئة أخرى من المصابين نتيجة إطلاق النار، وهم المتضررون نفسيا، حيث سجلت حالات إصابة بالذعر والهلع والفزع لدى الأطفال في المناطق السكنية خصوصا نتيجة إطلاق النار في المناسبات.

وفي التعقيب على ذلك، قال المختص الاجتماعي جميل الطهراوي الأستاذ المشارك بالصحة النفسية في الجامعة الإسلامية إن لإطلاق النار العشوائي في المناسبات أضرار نفسية واجتماعية تؤثر سلبيا على الفرد والمجتمع بأكمله، وذلك يستدعي تحركا جادا للقضاء على هذه الظاهرة المؤذية.

مختص اجتماعي: الآثار تطال الجوانب النفسية والاجتماعية للمجتمع

ويضيف الطهراوي في لقائه مع "الرسالة" أن حالة الذعر الناجمة عن إطلاق النار في الهواء خلال المناسبات الاجتماعية والوطنية، والتي تصيب الأطفال والنساء، وفي بعض الأحيان الكبار، في حال كان إطلاق النار كثيفا، تتطلب علاجا لعدة أسابيع، وفي بعض الأحيان للانتقال للعلاج خارج البيت لدى أطباء نفسيين أو عيادات خارجية.

ويوضح الطهراوي أن الضرر النفسي لا يقل خطورة عن الضرر المادي الناجم عن إطلاق النار في الهواء، والمصابون به أكثر عددا، ولا يسجل لدى الجهات المعنية ولا يهتم بهم، وبالتالي فإننا أمام أزمة نفسية واجتماعية حقيقية نتيجة ظاهرة إطلاق النار في الهواء.

رأي الشرع

وفي ظل وقوع وفيات ومصابين نتيجة إطلاق النار في الهواء خلال المناسبات، فإن حل هذه الإشكاليات في حال جرى تحديد مصدر إطلاق النار، يتجه للحل عشائريا، او من خلال لجان الشرع، ما دفع "الرسالة" للاستماع لرأي الشرع في هذه القضية.

وفي هذا الصدد، يقول الدكتور ماهر السوسي عميد كلية الشريعة والقانون إن إطلاق النار بالسلاح لا يحل إلا في ثلاثة مواطن وهي الدفاع عن النفس ومجابهة الاحتلال من خلال الجهاد في سبيل الله، وكذلك خلال التدريب على استخدام السلاح.

دكتور شريعة وقانون: إطلاق النار في المناسبات حرام شرعا

ويضيف السوسي، خلال لقائه بمعد التحقيق، أن استخدام السلاح في غير هذه المواطن الثلاثة غير جائز شرعا، حيث أن كل الاعاقات والضحايا كانت نتيجة استخدامه في غير محله.

ويوضح السوسي أنه لا يمكن لأي انسان عاقل أن يعبر في أي مناسبة بين الفرح أو الترح بإطلاق النار، فحالات الفرح تتطلب شكرا لله بدلا من إطلاق النار وإهدار المال وهذا وجه آخر من وجوه التحريم لهذه الظاهرة.

ويؤكد أن إطلاق النار في الهواء تعد من العادات الجاهلية التي انتقلت إلينا عن طريق منظومة العادات والتقاليد الخطأ التي وصلت للمجتمعات الإسلامية.

ويستطرد بقوله إنه لا يوجد هناك وجه حق مطلقا في إطلاق النار في المناسبات بأي شكل، لأن في ذلك دلالة على الجهل، فيما يحاسب فاعله في حال وقوع ضحايا بواقع الاعتداء بالخطأ أو القتل بالخطأ وهي جريمة من وجهة نظر الشرع ويعاقب عليها، ويحدد مقدار العقاب ما يحكم به أهل الخبرة في ذلك.

الشرطة تحذر

وعن موقف الأجهزة الأمنية، قال المتحدث باسم جهاز الشرطة الفلسطينية بقطاع غزة عقيد أيمن البطنيجي، إن التعليمات الصادرة لكافة الأجهزة الأمنية في قطاع غزة والمتابعة للحالة الميدانية، تقوم على منع إطلاق النار من أي مواطن مهما كانت المناسبة أو الحجة، وكذلك منع إطلاق النار من رجال الأمن والسلاح التنظيمي في خارج إطاره القانوني المسموح به.

الشرطة: نمنع استخدام السلاح في أي مناسبة مهما كان نوعها وسببها

وأضاف البطنيجي في حديثه لمعد التحقيق، أن الشرطة لديها تعليمات بالتعامل بكل قوة وحزم مع أي شخص أو جهة تطلق النار بشكل غير قانوني، بما يشكل خطرا على حياة المواطنين، ويبث القلق في المجتمع، مهما كان السبب والحجة والمكان.

وأكد المتحدث باسم الشرطة أن استخدام السلاح وإطلاق النار في المناسبات، يشكل جريمة يُعاقب عليها القانون، وسيتم محاسبة مرتكبيها، واتخاذ المقتضى القانوني بحقهم، ومصادرة السلاح المستخدم وفقًا للقانون.

 وحاول معد التحقيق الحصول على احصائيات دقيقة حول أعداد ضحايا إطلاق النار العشوائي في قطاع غزة، وذلك من خلال جهاز الشرطة الفلسطينية بصفته المتابع لكل الأحداث الأمنية في القطاع، إلا أننا تفاجئنا بعدم توافر أي احصائيات لدى الشرطة، بعد التواصل المتكرر مع المتحدث باسم الشرطة عقيد أيمن البطنيجي، مع تأكيد المؤسسات الحقوقية أن الشرطة هي الجهة الوحيدة التي تملك الاحصائيات الدقيقة لهذه الحوادث.

النيابة تشدد الإجراءات

وشهدت مدينة رفح الواقعة الأخطر منذ سنوات، وتمثلت في إطلاق نار كثيف بواسطة أسلحة خفيفة ومتوسطة، أمام الكاميرات، خلال استقبال أحد أبناء العائلة الذي كان محجوزا لدى السلطات المصرية لعدة أشهر، ما دفع النيابة لإصدار عدة بيانات بخصوص الواقعة.

وفي موقف النيابة العامة والاطلاع على الإجراءات التي اتخذت بحق الواقعة سابقة الذكر، التقى معد التحقيق بوكيل نيابة رفح أحمد السوسي الذي قال في مستهل حديثه إن حيازة السلاح الناري بلا ترخيص مُجّرم قانونا، ويعد ضمن الجرائم الشكلية، وهي جرائم الخطر والضرر في حال استخدامه، بالإضافة إلى أنه يؤثر على الأمن والطمأنينة بدون استخدامه.

وأضاف السوسي أن إطلاق النار في المناطق المأهولة بالسكان ولو بدون ضرر يحاسب عليه القانون، لأنه يمثل قلقا للسلامة العامة، وفي حال وقوع إصابات يتم التعامل بشكل مختلف، وفي إطار قانوني متكامل، يشمل الحبس لمطلقي النار، ومصادرة السلاح، ودفع غرامة مالية.

وعن حادثة رفح، أكد السوسي أنه جرى توقيف جميع مطلقي النار، ومصادرة كافة الأسلحة المستخدمة، دون السماح بتبديلها بأسلحة غير صالحة للعمل، أو رديئة كما كان يحصل سابقا، مع رفض أي غطاء فصائلي أو تدخلات لحل القضية خارج المسار القانوني لها، بالإضافة إلى دفع الغرامة المالية المقررة عليهم.

وفي التسلسل التاريخي لهذه الظاهرة في قطاع غزة، أوضح وكيل النيابة أن إطلاق النار كان ظاهرة شائعة بشكل كبير للغاية منذ بدء الانتفاضة عام 2000 وحتى عام 2008 حيث تطلق النار في كافة المناسبات سواء الأفراح أو الجنازات أو استقبال الأسرى وكذلك الثانوية العامة.

وبيّن السوسي أنه جرى اتخاذ الإجراءات القانونية بصورة محدود في الأعوام ما بين 2008 – 2012، حيث جرى عقد جلسة مشتركة بين النيابة العامة ووزارة الداخلية والفصائل بغزة بالإضافة إلى الجهات المعنية الأخرى في عام 2012.

ولم ينكر السوسي أن للمجتمع الفلسطيني لا سيما قطاع غزة خصوصية نتيجة انتشار السلاح سواء التابع للتنظيمات أو للعائلات، نظرا لطبيعة الوضع الأمني، إلا أن النيابة تمكنت من إنجاز قاعدة بيانات للأسلحة الخفيفة التابعة للتنظيمات بهدف معرفة هوية أي قطعة سلاح تستخدم بشكل غير قانوني.

وعن استخدام السلاح من منتسبي وزارة الداخلية والأمن الوطني، أكد السوسي أن النيابة ألزمت المنتسبين للأجهزة الأمنية بإطلاق النار خلال العمل للضرورة، وفي خارجه يحاسب رجل الأمن كأي مواطن، ويتم عرضه على النيابة من ثم المحاكمة وفقا للإجراءات المتبعة.

وأوضح أن النيابة تقوم بشكل دوري بحملات توعوية متكررة بالتزامن مع استخدام أساليب الترهيب لمطلقي النار خصوصا في المناسبات، وكان لذلك أثر حقيقي، خلال الفترة الأخيرة، خصوصا في موسم التوجيهي وموسم الأفراح في الصيف، حيث أنه لم تسجل وفيات أو إصابات.

وأكد على أن سياسة النيابة تتمثل في التشديد خلال المرافعات أمام المحاكم في هذه القضايا المتعلقة بإطلاق النار، داعيا القضاء للمساعدة في القضاء على هذه الظاهرة من خلال سرعة اتخاذ الأحكام فيها.

وعن الأحكام المتخذة في قضايا إطلاق النار، أوضح وكيل النيابة أن مصادرة الأسلحة المستخدمة وجوبية التعاقد، وكذلك اعتقال مطلق النار لمدة زمنية لا تقل عن 15 يوما في حال لم يصب أحد نتيجة إطلاق نار، بالإضافة إلى دفع غرامة مالية.

وذكر أنه في حال كانت هناك إصابات نتيجة إطلاق النار، فإن مطلق النار يحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر مع مصادرة السلاح، ودفع الغرامة، وفقا لقانون الصلح الجزائي الذي صدر عام 2017، حتى في حال وقوع الصلح بين الطرفين.

وبيّن أن النيابة تسير تدريجيا في اتجاه إنهاء مظاهر استخدام السلاح أو إطلاق النار في المناطق السكانية، وخارج الإطار القانوني لها المتمثل في الاستخدامات المعروفة لسلاح المقاومة لأن حمايته جزء من عمل النيابة، بالإضافة إلى سلاح الأجهزة الأمنية، وفي حال استخدام الأسلحة سابقة الذكر في خارج الإطار القانوني يجري التعامل معها كبقية المواطنين والجميع تحت طائلة المسؤولية.

الرأي الحقوقي

وللاطلاع على رأي مؤسسات حقوق الإنسان في غزة بهذه القضية، توجهت "الرسالة" إلى المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، الذي يتابع بشكل حثيث ودقيق كل حوادث إطلاق النار التي تنجم عنها وفيات واصابات.

وفي التعقيب على هذه الظاهرة، يقول الحقوقي محمد أبو هاشم من الوحدة القانونية في المركز إن حيازة السلاح بدون ترخيص تعتبر جريمة، واستخدامه بشكل غير مشروع تعتبر جريمة ثانية، أما في حال كان السلاح مرخصا وجرى استخدامه في خارج الإطار المسموح به يحاسب حسب قانون إساءة استخدام السلاح.

مركز حقوقي: المشكلة الأساسية هي اختراق القانون من رجال القانون

وأوضح أبو هاشم أنه لو كان مطلق النار عسكريا، وفي وضع غير مسموح به، أي خارج إطار العمل، يجب تطبيق القانون عليه كبقية المواطنين، وهذا ما يتم العمل به بشكل محدود في محاكم غزة.

وأكد أن أساس المشكلة يتمثل في اختراق القانون من قبل رجال القانون، بالإضافة إلى أن التنظيمات المسلحة باتت فوق القانون، والمستويات العليا من التنظيمات والمسؤولين بغزة لا يخضون للقانون، وهنا تظهر معضلة التعامل مع هذا الملف.

وبيّن أنه يجب إنهاء التجاوزات في هذه القضية، من خلال تطبيق القانون على الجميع بلا أي استثناءات مهما كان السبب والحجة، لأن إطلاق النار في الهواء خلال المناسبات، يهدد حياة المواطنين وأمنهم.

وأشار إلى أن المركز وثق مقتل وإصابة عشرات المواطنين على مدار العقدين الماضيين نتيجة الاستخدام الخطأ للسلاح، خارج إطاره المسموح به لرجال الأمن والتنظيمات.