8 ساعات في معبر رفح

شيماء مرزوق
شيماء مرزوق

شيماء مرزوق

 فجر 18 أكتوبر 2011 غادرت منزلي بعد ليلة لم أغمض عيني فيها خوفا من أن يباغتني النوم وأتأخر عن موعد انطلاق حافلة الصحافيين التي ستتجه إلى معبر رفح البري لتغطية صفقة تبادل الأسرى، بعد أن حددت الداخلية بدقة أسماء المسموح لهم بالتغطية في المعبر من وسائل الإعلام والصحافيين.

قضيت ليلتي أحاول رسم تفاصيل اليوم التالي في مخيلتي، وكيف سأكون شاهدة على لحظة انتصار تاريخية انتظرناها خمس سنوات، وقد لا تتكرر.

مرت عشرة أعوام وما زلت اعتبر أن ذاك اليوم كان الأهم والأجمل في مسيرتي المهنية.

من خطط ونفذ ببراعة عملية الوهم المتبدد، وفاوض بعناد وصلابة للوصول إلى صفقة أسرى مشرفة، أخرج فيها أكثر من ألف أسير من سجون الاحتلال، أدار أيضا عملية التنفيذ بإقتدار عالي جدا.  

حجم التعزيزات الأمنية والعسكرية التي رأيتها ذلك اليوم لا مثيل لها، في طريقنا للمعبر كان شارع صلاح الدين من غزة مكان انطلاق الحافلة حتى بوابة المعبر، يشغله عنصر من كتائب القسام في كل متر واحد على الجانبين.

وصلت حافلة الصحافيين المعبر قرابة الساعة الثامنة، وبدأ يصل تباعا كبار الشخصيات، لكن الشخصية الأهم التي وصلت مبكراً كانت أم الشهيد محمد فروانة، الذي شارك في عملية خطف الجندي جلعاد شاليط واستشهد خلال العملية، لقد ملأت المكان بالزغاريد والأهازيج، وقالت جملة مفرحة ومبكية معا، "أنا فرحانة اليوم كأنه إبني عريس".

كنا هناك منقطعين عما حولنا، ولا نعرف تفاصيل ما يجري خارج المعبر، وأين وصلت عملية التبادل وتسليم الجندي وتحرك حافلات الأسرى.

لعدة مرات ترددت أخبار حول تسليم الجندي للجانب المصري، لنكتشف فيما بعد أنها ضمن عملية التمويه التي نفذتها المقاومة بغزة، خشية غدر الاحتلال.

لكن في ساعة الظهيرة مر من أمامنا موكب مهيب من الجيبات العسكرية بسرعة جنونية، هرع كل الصحافيين للتصوير وأدركنا أنها لحظة التسليم الحقيقية.

حاولت الاقتراب لمعرفة بعض التفاصيل عن عملية التنفيذ، خاصة أنني كنت أخوض تحدي بعدما اختارتني إدارة المؤسسة لهذه المهمة الخاصة من بين جميع زملائي الرجال.

كانت مهمة صعبة تجاوز رجال الأمن المنتشرين في المكان ليصلني خبر بأن الجندي تم تسليمه بالفعل وهو يجري مكالمة هاتفيه مع عائلته، بعد عشر دقائق تقريباً صرخ أحد الصحافيين من سيارة البث "الحقواااا هي شاليط".

تزاحمنا بالقرب من تلفاز صغير في السيارة لنشاهد المقابلة الأولى للجندي التي يجريها مع التلفزيون المصري، لم يكن هناك ما يجذب في المقابلة أكثر من القميص الذي يرتديه، لقد كان مثار سخرية للجميع وبعض الشباب بدأ يتندر حول المحل الذي اشتراه منه.

أما أنا فعيني لم تغادر البوابة كنت متلهفه لمشاهدة اللحظات الأولى، أصوات الزغاريد لم تتوقف منذ الصباح، فأهالي الأسرى الذين وصلوا لاستقبال أبنائهم انتشروا في المكان.

لحظات الانتظار امتدت لساعات وبدأ الجميع يفقد أعصابه، كنت أراقب كل شيء بعين صحفية حديثه العهد بالمهنة، أتأمل كيف يعمل كبار الصحافيين على تغطية حدث نوعي كهذا، وأتحرى اللهفة في عيون الأمهات.

أولى الحافلات التي عبرت البوابة كانت للأسرى المبعدين، رفعوا علامات النصر ولوحوا برايات المقاومة، لكن فرحة الحرية لم تخف ملامح الحزن من قرار الابعاد.

أما حافلات أسرى غزة فقبل أن تتوقف كان الأهالي يتسلقون نوافذها، يعانقون أبناء طال غيابهم، وفجأة انقلبت الترتيبات الأمنية إلى أجمل حالة فوضى.

لم أدرك كيف تُترجم الفرحة إلى دموع فجأة، ولا أدري إن كانت أحضان الأمهات في ذاك اليوم كفيلة بأن تمحو وجع سنوات الأسر، لكنني رأيت رجالا تحولوا إلى أطفال حينما ارتموا في أحضان أمهاتهم وبكوا.

بعد ثمان ساعات غادرنا المعبر، تتقدمنا حافلات الأسرى في طريقهم الى المدينة، كان المشهد مختلفا حينما امتلأ الطريق بآلاف الناس مرحبين بالأسرى، بعدما كان في ساعات الصباح فارغا سوى من عناصر كتائب القسام.

اللهم فرحة قريبة كيوم وفاء الأحرار

اللهم فرجا لكل أسرانا