ارتبط اسمهما معًا خلال السنوات الأولى التي جمعتهما في رحلة المطاردة مع الاحتلال خلال تسعينيات القرن الماضي؛ فكلاهما نجح في قضّ مضاجع الاحتلال، وتحويل استقراره إلى جحيم، وباتا شبحًا يطارد الاحتلال في كل مكان، كما أصبحا أيقونات للمقاومة الفلسطينية.
المهندس الأول في كتائب القسام، الشهيد يحيى عياش، كان الرفيق الدائم لمحمد الضيف، الذي حلّ ضيفًا عليه في قطاع غزة في نوفمبر عام 1994، بعد رحلة مطاردة في الضفة المحتلة، على وقع العمليات الاستشهادية التي تولى مسؤوليتها هناك خلال تلك الفترة.
شكّل عياش، برفقة الضيف والشهيد القائد عدنان الغول، نواة التصنيع العسكري في كتائب القسام بقطاع غزة، حيث أسسوا باكورة صناعة الأسلحة والمتفجرات التي قضّت مضاجع الاحتلال ومستوطنيه في القطاع. إلى جانبهم، كان هناك شهداء كبار، مثل الشهيد القائد سعد الدين العرابيد، وقادة آخرون في الكتائب.
في هذا التقرير، تكشف زوجة المهندس القائد الكبير يحيى عياش عن كواليس جمعت الرجلين خلال رحلة امتدت من أواخر عام 1994 وحتى أوائل عام 1996، بعدما تلقى عياش طلبًا رسميًا من الضيف لمواصلة مهمتهما معًا.
تقول أم البراء: "إن استشهاد الضيف أعاد لي حزني العميق الذي شعرت به حين رحل أبو البراء، فقد كان رفيقًا لأبي البراء في مطاردته بغزة".
وتستذكر، في حديثها لـ"الرسالة نت"، المشهد الأول الذي جمَعها بالضيف قائلةً: "كان ذلك في أوائل عام 1995، عندما كنت برفقة يحيى، فجاء أبو خالد إلى حي التفاح. وبعدما غادر، قلت ليحيى: حفظت ملامح وجهه، أتدري لماذا؟ حتى إذا استشهد يومًا أقول: قد شرّفني ربي بأن رأت عيناي هذا البطل المغوار الذي أرعب اليهود سنوات".
ضحك يحيى وابتسم، ثم ردّ قائلًا: "اللهم ارزقنا الشهادة معًا"، فقد كانت أمنيته أن يكون رديفًا للشهادة مع صديقه الضيف.
تضيف أم البراء: "تنقلنا سويًا خلال سنة ونصف في غزة، من الشمال إلى الجنوب، وكان أبو خالد دائمًا برفقة يحيى. هذان الاثنان، إذا حلاّ في مكان، لبثا فيه طويلًا لصبرهما وقدرتهما على تحمل مطاردة الاحتلال والسلطة، التي كانت تلاحقهما في كل مكان".
وكانت السلطة قد نشرت صور الضيف وعياش على المفترقات، في محاولة للقبض عليهما، لكنها فشلت في اعتقال أبي البراء، بينما نجحت لاحقًا في القبض على أبي خالد، الذي أمضى سنوات في سجونها حتى تحرر عام 2000 مع اندلاع انتفاضة الأقصى الثانية.
تتذكر موقفًا جمع الرجلين حين وصلهما خبر استشهاد المهندس في كتائب القسام "صائد العملاء" كمال كحيل، في حي الشيخ رضوان عام 1994. تقول: "كان أبو خالد ويحيى معًا في جباليا عندما وقعت الحادثة، وحزنا كثيرًا لما حدث، ثم خططا سويًا لكيفية الردّ والاستمرار، وكان ردّهما دائمًا مميزًا".
أما لحظة استشهاد عياش، فكانت الأكثر إيلامًا في حياة الرجل الوحيد الذي لم يشارك في جنازته! رغم أنه كان رفيق دربه، فقد تولى أمر الجنازة الأسير القائد حسن سلامة، الذي قاد لاحقًا عمليات "الثأر المقدس" بتخطيط وأوامر الضيف.
تقول أم البراء: "كان حزن الضيف كبيرًا وصعبًا على فراق يحيى، وأقسم أن يكون الردّ بحجم الألم، فوجه القائد سلامة، الذي أقسم لي بأن يجعل تلك الحادثة لعنة على إسرائيل".
وتضيف: "كان من تخطيط أبي البراء أن يتم الانتقال من القطاع إلى الضفة عبر خطة نوعية، نفّذها لاحقًا حسن سلامة ورفاق دربه الذين شاركوه التخطيط لهذه العملية، وكان من بينهم محمد أبو وردة، الأسير المحرر الذي أفرج عنه يوم أمس من سجون الاحتلال، بعد عملية "طوفان الأقصى" التي خطط لها وقادها محمد الضيف".
مواقف عديدة جمعت الضيف بيحيى، إحداها ذكرها سلامة في كتابه *الثأر المقدس*، حيث أشار إلى انتقالهما معًا إلى بحر غزة والسباحة فيه، رغم الانتشار المكثف لعناصر الأمن والسلطة التي وزعت صورهما كمطلوبين، ومع ذلك، "سبحنا ولم يعرفنا أحد، ثم عدنا معًا أدراجنا حيث القتال الضاري ضد الاحتلال".
وعن وفاء الضيف؛ تستذكر أم البراء؛ صاروخ "عياش 250" وهو أضخم صاروخ تنتجه دائرة التصنيع العسكري للكتائب التي يشرف عليها الضيف شخصيا؛ ويقطع أطول مسافة في المنظومة الصاروخية.
وتختم بالقول: " أُعوّل على الرجال الذين أداروا المعركة بعد رحيل قائدهم بستة أشهر، فهم قادرون على خلافته، والثأر لدماء أبناء شعبهم، وتنفيذ ما كان يطمح إليه ورفيق دربه يحيى، بالخلاص من الاحتلال وعملائه إلى الأبد".