في زيارة كانت تتمنى فيها والدة الأسير إياد حريبات أن ترى نجلها كما عهدته، كان اللقاء محمَّلًا بآلامٍ لا يمكن أن تعبِّر عنها الكلمات. ففي عام 2014، توجهت إلى سجون الاحتلال (الإسرائيلي) لزيارة نجلها، الذي كان قد مرَّ بتجربة قاسية داخل أقبية التحقيق وزنازين العزل. لكن ما شهدته في تلك الزيارة كان صدمةً مدويَّة؛ إذ خرج إياد على كرسيٍّ متحرك، يدفعه أسير آخر، وعيناه شاردتان، ووجهه شاحب، وكأن الزمن قد سلب منه كل شيء.
سألته والدته بلطف: "إياد، هل تعرفني؟" لكنه، وقد بدا غارقًا في غياهب معاناته، نظر إليها وقال: "من أنتِ؟" ثم التفت إلى شقيقه وسأله مستغربًا: "لماذا أحضرتَ ضابط المخابرات ليحقق معي؟"
كانت كلمات إياد كالسهم في قلب والدته، التي رأته منذ اللحظة الأولى لذلك اللقاء شخصًا غريبًا.
قبل سنوات من تلك الزيارة، كان إياد شابًا فلسطينيًا يتمتع ببنية جسدية قوية، ووزن يزيد عن 100 كيلوغرام، وكان في أوج نشاطه الثقافي والعلمي داخل السجون. ورغم قسوة التحقيقات في بداية اعتقاله، وبعد أكثر من عامين من التعذيب، ظلت روحه حيَّة، مفعمةً بالأمل في الحرية. لكن تلك الروح جُرِّدت من أملها بعد أن تعرَّض إياد لحقنٍ مجهولة في سجن ريمون، تسببت له بشلل تام وفقدان الذاكرة لفترة طويلة.
كانت تلك الحقنة جزءًا من سلسلة الجرائم الطبية التي تُمارَس بحق الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، والتي كان هدفها تدمير الجسد والعقل معًا.
تدهور الوضع الصحي لإياد بشكل كبير؛ فقد أصبح يعاني من مرض عصبي ورعشة في جسده، بينما رفض السجَّانون توفير الرعاية الطبية المناسبة له رغم حالته المتدهورة. ورغم ظروفه الصحية الصعبة، استمرت إدارة السجون في عزله انفراديًا، حيث كان يعاني من آلامٍ حادة ولا يلقى سوى الإهمال التام.
كان من الواضح أن الهدف هو تدمير إياد بشكلٍ بطيء، إما بالقتل الجسدي أو النفسي، لكنه في كل مرة كان يصمد أكثر.
ورغم السنوات الطويلة التي أمضاها في السجون، ظلَّ إياد أملًا لعائلته وأصدقائه. ففي كل زيارة، كانت والدته تزداد أملًا في أن ترى نجلها يعود إليها كما كان، رغم الجراح التي تركتها السجون في جسده وعقله.
اليوم، وبعد سنواتٍ من المعاناة، جاء الخبر المنتظر: تمَّ الإفراج عن إياد حريبات في صفقة تبادل أسرى بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال (الإسرائيلي)، ضمن اتفاق وقف إطلاق النار.
كانت لحظة التحرير هذه بمثابة ولادة جديدة له، لكنه لم يكن كما كان؛ فقد تغيرت ذاكرته، وأصبح جسمه هزيلًا بعد كل ما مرَّ به من ممارساتٍ تعسفية. ومع ذلك، ما زال حيًّا، والحرية التي طالما حلم بها أصبحت الآن في متناول يديه.
اعتقل حريبات في العام 2002، وحكم بالسجن مدى الحياة، بتهمة انتمائه لكتائب شهداء الأقصى الذراع العسكري لحركة فتح.
إياد حريبات ليس مجرد اسم لأسير فلسطيني، بل هو رمزٌ لصمود الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، وقصة أملٍ لم تنطفئ رغم قسوة السجانين ومحاولات الاحتلال قتل الروح الفلسطينية.
يظل إياد حريبات حيًّا في ذاكرة وطنه، وفي قلوب شعبه، وستظل ذكراه تضيء الطريق للأجيال القادمة في كفاحهم ضد الظلم والقهر..