منذ عقود، تبنّت (إسرائيل) عقيدة عسكرية صارمة تحكم تعاملها مع جنودها وأسرى الحرب، تُختصر بفلسفة: "قتيل لا أسير". هذه العقيدة، التي تتجسد في "بروتوكول هانيبال"، تمثل أحد أكثر التوجيهات العسكرية إثارة للجدل، حيث يعطي الجيش الإسرائيلي الأوامر لمنع وقوع جنوده في الأسر، حتى لو تطلب الأمر قتلهم.
وفي العمليات العسكرية الأخيرة، خاصة خلال حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، تكررت حالات قتل الأسرى الإسرائيليين على يد جيش الاحتلال نفسه، ما أثار جدلاً واسعاً حول مدى استهتار حكومة بنيامين نتنياهو بأرواح الإسرائيليين الذين وقعوا في الأسر.
بروتوكول هانيبال.. عقيدة القتل الذاتي
تم اعتماد بروتوكول هانيبال بشكل رسمي عام 2006 بعد سنوات من الاستخدام غير المعلن، وينص على توجيه القوات العسكرية لفتح النار بكثافة على أي موقع يُحتمل أن يكون فيه جندي إسرائيلي أسير، لمنع أسره على يد المقاومة. وعلى الرغم من السرية التي أحاطت بهذا البروتوكول لسنوات، إلا أن تسريبات وتقارير كشفت عن تطبيقه في العديد من الحروب والمواجهات، أبرزها حرب غزة عام 2014، حيث أدى إلى مقتل أكثر من 135 مدنياً فلسطينياً خلال ساعات قليلة أثناء محاولة منع أسر جندي إسرائيلي.
وأبرز المجازر التي ارتكبتها (إسرائيل) كانت مجزرة النصيرات عبر سلاحها الجوي بالدرجة الأولى وبالشراكة مع سلاح المدفعيّة والسلاح البحري يوم 8 حزيران/يونيو 2024 وراحَ ضحّيتها 274 مواطنا فلسطينيًا و3 من الأسرى الإسرائيليين بينهم أمريكي وضابط من الوحدة المنفذة للهجوم.
عاد الحديث عن هذا البروتوكول مع اندلاع حرب غزة عام 2023، حيث استخدم الجيش الإسرائيلي سياسة "الأرض المحروقة" في قصفه لمناطق تواجد الأسرى. ووفقاً لحركة حماس، فإن 33 أسيراً إسرائيلياً قتلوا نتيجة القصف العشوائي لقوات الاحتلال منذ بداية الحرب، وهو ما يثبت أن الجيش الإسرائيلي يفضل قتل جنوده وأسرى الحرب على وقوعهم في أيدي المقاومة.
عائلة بيباس.. ضحية جديدة لعنجهية الجيش الإسرائيلي
في سياق القسوة العسكرية الإسرائيلية، تبرز حكاية عائلة بيباس الإسرائيلية كدليل على التجاهل الإسرائيلي لحياة مستوطنيه، حيث قُتلت الزوجة وطفلاها خلال قصف عنيف على قطاع غزة في نوفمبر 2023. ورغم المناشدات العديدة من والد الأسرة، ياردن بيباس، للإفراج عن أفراد عائلته أو استعادة جثامينهم، إلا أن حكومة الاحتلال لم تُبدِ أي اهتمام، بل عمدت إلى عرقلة الجهود الرامية لاستعادتهم.
حركة حماس قررت تسليم جثامين العائلة استجابةً لطلب الاحتلال عبر الوسطاء، لكن (إسرائيل) لم تلتزم حتى بإدخال المعدات الثقيلة لاستخراج الجثامين، مما يسلط الضوء على الإهمال الحكومي الإسرائيلي تجاه أسراه وعائلاتهم. ورغم أن عائلة بيباس أصبحت رمزاً في احتجاجات الأسرى الإسرائيليين، فإن حكومتهم لم تتخذ أي خطوات جدية لوقف إطلاق النار أو إتمام صفقة تبادل تؤدي إلى استعادة الأسرى الأحياء، طوال فترة الحرب.
الحكومة الإسرائيلية.. مقامرة سياسية بأرواح الأسرى
ما حدث لعائلة بيباس وللأسرى الآخرين يعكس استراتيجية نتنياهو في إدارة الحرب: عدم إعطاء أي أولوية لعودة الأسرى أحياء. سياسة "عدم الخضوع" التي يروج لها حكومته، تتسبب في إطالة أمد الحرب وزيادة أعداد القتلى، سواء من الفلسطينيين أو من الجنود والمستوطنين الأسرى. بل إن هذه السياسة تغذي الغضب الداخلي، حيث خرجت عائلات الأسرى الإسرائيليين في مظاهرات متكررة، متهمةً الحكومة بالتقاعس بل وتعمد التسبب في قتل ذويهم.
وفي ظل تصاعد الغضب بالشارع الإسرائيلي، بات واضحاً أن حكومة الاحتلال لا تكترث بمصير الأسرى، بل تستخدمهم كورقة سياسية في صراعها الداخلي، وهو ما يضعها أمام مسؤولية أخلاقية وسياسية جسيمة، بحسب محللين إسرائيليين.
أرواح تُزهق لخدمة أجندات سياسية وعسكرية
ما يجري في غزة يعكس بوضوح كيف أن العقيدة العسكرية الإسرائيلية، ممثلة في "بروتوكول هانيبال"، تُفضل قتل الأسرى الإسرائيليين بدلاً من العمل على استعادتهم. ومع استمرار الحرب، تظل حكومة نتنياهو تمضي قدماً في نهجها، غير مكترثة بمصير الأسرى، في وقت استمرت فيه المقاومة الفلسطينية في توجيه رسائل واضحة: استمرار العدوان يعني فقدان المزيد من الأسرى. وفي النهاية، تبقى عائلة بيباس، وكثير من الأسرى الذين قُتلوا، ضحية أخرى لسياسات عسكرية للاحتلال لا تعرف الرحمة، ولا تراعي حتى حياة الإسرائيليين أنفسهم.