مع ساعات الفجر الأولى خرج كاظم زواهرة ضمن الدفعة السابعة من أسرى طوفان الحرية، لكن جسده الممدد على سرير المستشفى، الأسير في غيبوبته منذ أكثر من عام، لم يكن سوى شاهد على معركة وأسى وعذاب الأسرى، في ظل صمتٍ عالمي قاتل.
كاظم زواهرة، الأسير الذي رفضه الموت، وابتلعته الغيبوبة بعد أن اعتقلته قوات الاحتلال، خرج اليوم، ولكن دون أن ينطق أو يفتح عينيه، فهو لا يزال أسيرًا لجراحه، وجسده الطريح، الذي سلمته (إسرائيل) للصليب الأحمر.
لا أحد يعرف كيف مرَّ عليه الزمن خلال عامٍ كامل، وكيف عاش في غيبوبته المظلمة داخل مستشفيات الاحتلال، فهو لا يتحدث ولا يتنفس إلا عبر جهاز تنفس صناعي، لكن قصة الأسير كاظم زواهرة ليست مجرد قصة فردية، بل هي رواية تمثل معاناة آلاف الأسرى الفلسطينيين الذين سُلبت حياتهم وأصواتهم داخل الزنازين الإسرائيلية جراء الإهمال الطبي الذي كان طريقة الاحتلال للانتقام من الأسرى.
كاظم، الشاب الفلسطيني من قرية التعامرية شرق بيت لحم، كان قد عُرف كأحد منفذي عملية حاجز الزعيم في فبراير من العام الماضي، العملية التي جرت ردًا على جرائم الاحتلال في قطاع غزة.
كان قد شارك في تلك العملية مع شقيقه محمد وزميلهما الطبيب أحمد الوحش، حيث فاجأوا جنود الاحتلال على أحد الحواجز في الضفة الغربية بل في أقوى حواجزهم الأمنية، ونجحوا في كسر ما اعتقد الاحتلال أنه "حصن لا يُخترق".
إلا أن العملية أسفرت عن إصابة كاظم بجروح بالغة الخطورة أدت إلى دخوله في غيبوبة طويلة، ولكنهم نجحوا في قتل أحد الجنود واصابة آخرين.
وكانت العيون تترقب مصيره في كل لحظة، إذ كان جسده الطريح على سرير مستشفى هداسا، شاهدا على الألم الذي تكبده في معركة كان واحدا من أبطالها.
خلال عامٍ كامل، كان الاحتلال يرفض الاعتراف بحق كاظم في العلاج، ويتركه يواجه معاناته وحيدًا، داخل مستشفى "عين هداسا" الإسرائيلي.
كانت السياسة القمعية (لإسرائيل) تُصر على تركه في غيبوبته، متجاهلةً حالته الصحية الخطيرة، لتُثبت من جديد سياسة الإهمال الطبي التي تهدد حياة العديد من الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال.
اليوم، خرج كاظم من ذلك العالم المظلم، ولكن إلى أين؟ إلى الحرية، أم إلى صمتٍ أبديٍ لا يعترف به أحد؟ لا زال جسده ممددًا، والآلام تتحدث من خلاله دون أن يلفظ كلمة واحدة.
وفي مستشفى الحسين في بيت لحم حيث نقل جسد الأسير قال الطبيب المعالج واصفا خطورة حالته: "المريض تعرض لطلقة نارية في الدماغ أدى إلى تهتك شديد في الجانب الأيمن للدماغ، ويعاني من شلل رباعي، توقف القلب لدقائق بسبب النزيف، وكانت حالته حرجة ورغم ذلك نقله الاحتلال إلى الاعتقال".
يضيف الطبيب المعالج" يعاني كاظم من فشل في الكلى ونزيف في المعدة، ووضعه الآن حرج، لا يحرك إلا عينيه، هناك استجابة للألم وللكلام عن طريق إغماض العين، ولديه كثير من التقرحات في ظهره وأقدامه، وتشجنات قوية في جسده".
يحتاج زواهرة وفقا للأطباء إلى أجهزة تنفس وإعادة تأهيل ويحتاج إلى فترة علاج طويلة، فهو يتغذى عبر فتحة في المعدة، وحالته حرجة للغاية.
الأسير كاظم زواهرة اليوم هو جزء من فرحة الأسرى، ولكنه لا يزال أسيرًا للغيبوبة التي سرقت منه أيامه، ولا أحد يعرف ما إذا كانت تلك اللحظة هي بداية لصحوةٍ قد تتأخر، أم أنها مجرد تكريم لجسدٍ غارق في الألم.
والسؤال الذي يطرح نفسه في كل مرة، في أي دولة على هذه الأرض يحتجز أسير في حالة غيبوبة داخل معتقلات لعام كامل دون علاج مناسب ودون زيارة ودون أي دعم سوى في (إسرائيل)، حيث الإنسانية ليس لها وجود ولا معنى!.
قد لا يكون كاظم قادرًا على الرد أو حتى رؤية النور ، لكن جسده الذي خرج من قبضة الاحتلال، هو شهادة حية على أن الفلسطيني لن يُهزم، حتى في غيبوبته.