33 عامًا في عتمة القيد.. حكاية (رفيق المهندس) الأسير عبد الناصر عيسى 

الأسير عبد الناصر عيسى
الأسير عبد الناصر عيسى

الرسالة نت- خاص

في ربيع عام 1968، وفي أزقة مخيم بلاطة التي تضج بالحياة والمعاناة معًا، وُلد عبد الناصر عطا الله عيسى. كان ميلاده صفحة جديدة في رواية وطن ينزف، وكأن القدر أراد لهذا الطفل أن يكبر ليمثل صوتًا يصرخ في وجه الاحتلال وصمودًا يتحدى ظلم الطغاة.
تفتحت عيناه على الحياة في مخيم يختزل كل صور النضال؛ من شظف العيش، إلى المنازل المكتظة بأحلام اللاجئين التي لا تتسع لها الجدران. لكن عبد الناصر لم يكن طفلًا عاديًا، فقد كانت عروقه تنبض بروح ثائرة ووعي مبكر بأن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع.
في عام 1982، وبينما كان عبد الناصر في الرابعة عشرة من عمره، خطّت رصاصة أطلقها الاحتلال على جسده أولى حروف الحكاية. لم تكن تلك الرصاصة سوى إيذانٍ بدخول الشاب إلى ميدان المواجهة. وفي عام 1988، أعادت رصاصات الاحتلال مرة أخرى محاولة إسكات صوته، لكن عيسى كان أقوى من الألم.
منذ نعومة أظفاره، وجد عبد الناصر نفسه في قلب الحركة الإسلامية في المخيم. التحق بجماعة "الإخوان المسلمين"، وتعلم على يد الشهيد القائد جمال منصور الذي صقل شخصيته ليصبح واحدًا من أعمدة النضال. لم تكن الاعتقالات المتكررة إلا وقودًا زاد من صلابة هذا الشاب الذي اتُهم بإعداد العبوات الناسفة وإلقاء قنابل المولوتوف.

رفيق المهندس
بعد أن تنسم عبير الحرية لفترة وجيزة عام 1994، عاد عبد الناصر إلى الميدان، وهذه المرة تحت جناح "كتائب القسام". أصبح اليد اليمنى للمهندس يحيى عياش، وشكّل ثنائيًا أسطوريًا أثار الرعب في قلوب الاحتلال. وفي الوقت الذي كان فيه عياش يرسم خرائط المقاومة، كان عبد الناصر يُعيد بناء خلايا القسام في الضفة، ليصبح المطلوب الثاني بعد عياش.

في 19 أغسطس 1995، أطبق الاحتلال قيد الحديد على يدي عبد الناصر، ووجّه إليه تهمًا ثقيلة وصلت إلى حد إصدار حكم بالسجن المؤبد مرتين، إضافة إلى سبع سنوات أخرى. داخل السجن، لم يكن عبد الناصر مجرد أسير؛ فقد أسس أول هيئة قيادية عليا لحركة "حماس" داخل المعتقلات، وترك بصمة واضحة في كل زاوية من زوايا السجون.

لم يكتفِ عبد الناصر بالصمود، بل جعل من زنزانته منارة للعلم. حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من الجامعة العبرية بعد جهد استمر لسبع سنوات، ثم تابع دراسته ليحصل على الماجستير في "الدراسات الإسرائيلية"، وبعدها درجة الدكتوراه. أسس مركزًا للدراسات الفكرية داخل السجون، وأصدر عدة كتب ومقالات تحاكي معاناة الأسرى ونضال الشعب الفلسطيني.
في زنزانته، عايش عبد الناصر أحلك اللحظات، فلم يتمكن من إلقاء نظرة وداع على والده الذي رحل عام 2006، ولا على والدته التي فارقت الحياة عام 2017. ورغم ذلك، ظل شامخًا، متسلحًا بإرادة لا تنحني.
اليوم، بعد 33 عامًا من الظلام والقيد، يخرج عبد الناصر عيسى إلى النور في الدفعة الأخيرة من المرحلة الأولى لصفقة التبادل، لكنّه يترك خلفه حكاية ستُروى للأجيال. إنها حكاية رجل جعل من السجن منبرًا للنضال، ومن العتمة مشعلاً يضيء طريق الحرية.
"33 عامًا من الحرمان"، لكنها لم تكن سوى صفحة في رواية عبد الناصر، الرواية التي تؤكد أن الاحتلال قد يُقيد الجسد، لكنه أبدًا لن يستطيع تقييد الروح.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من قصص صحفية