لم تنعدم محاولات التجاوب مع قضية الأسرى من الشعب الفلسطيني في غزة بكافة توجهاته، حيث تنوعت هذه المحاولات وتعددت بين الاعتصامات والإضرابات والمسيرات، إضافة إلى محاولات العمل الثوري لإطلاق سراح الأسرى. وقد نجحت بامتياز صفقة جبريل. كما أظهرت حركة حماس براعتها في تجسيد هذا الدور، حيث اندفعت بحرارة عقائدية (فكوا العاني) ووطنية من موقعها الرائد في النضال الفلسطيني المعاصر. كما قامت مراراً بمحاولات للإفراج عن الأسرى عبر عمليات عسكرية مثل عملية خطف توليدانو، وكذلك محاولة خطف الباص رقم (25).
صفقة الوفاء للأحرار من غزة العزة كانت مصدر إلهام ونموذجاً مميزاً لحدث تاريخي فائق الروعة ولحظة استراتيجية فارقة، حيث سطرت ملحمة عز ووفاء وشموخ. فمنذ تبديد الوهم في يونيو 2006م إلى لحظتها التاريخية المضيئة، تم رصد محطات هامة، لعل أهمها ترسيخ برنامج المقاومة وتأكيد جدواه. كما يعد هذا الإنجاز الأمني غير المسبوق في العصر الحديث في الأسر والحفاظ على شاليط لفترة طويلة، فضلاً عن تحقيق ذلك لأول مرة على أرض فلسطينية. وكان لذلك ثمن باهظ، حيث قدمت غزة أكثر من ثلاثة آلاف شهيد منذ أسر شاليط، ورغم ذلك، لم يتراجع الشعب الفلسطيني عن أي من مطالبه، معتمداً على حنكة تفاوضية عالية وصبر طويل حتى خضع الجلاد.
قاتلت غزة في طوفان الأقصى ومحرقتها المستمرة بلحمها الحي، وعلى مدار سنة ونصف، تشبثت بأسرى الاحتلال، وواصلت صبرها الأسطوري لتطلق سراح أسرى الحرية الذين قلة منهم من غزة، وهم من العرب والقدس وعرب (48) والجولان، بالإضافة إلى الضفة الغربية. كما شملت صفقات تحرير الأسرى المتتابعة من كافة فصائل العمل الوطني الفلسطيني، تجسيداً لروح الوحدة الوطنية التي تقوم على الإيثار.
وقدمت في مراحل النضال كافة لتحرير الأسرى غزة نموذجاً في العمل الوطني الصادق، حيث تم تبييض السجون من النساء والأطفال، وتواصل العمل على تبييض السجون بالكامل.
ونسجل هنا، نحن أهل غزة عتبا وتحفظاً على أي مبالغة في الاحتفاء بأسرانا الأبطال وتحريرهم عبر الجولات السابقة دون مراعاة لدماء غزة النازفة ومحرقتها المستمرة.
وحق على كل أسير محرر بل وفلسطيني أن يقبل رأس غزة العزة، بل رأس كل شهيد وجريح وسيدة وطفل وصاحب بيت مدمر فيها، وفاءً وعرفاناً بما قدمت في ملاحم تحرير الأسرى.
{وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}