قال الدكتور بسام أبو ناصر، استشاري طب الأسرة، إن تأثيرات سوء التغذية بدأت بالظهور منذ عام، حيث بدأت نسب فقر الدم بالانتشار بين الأطفال والكبار، وحتى بين الشباب الذين أصبحوا يعانون من ضعف عام، وتساقط الشعر، وفقدان الوزن، وضعف في القدرات العصبية.
وأوضح أبو ناصر في حوار مع الرسالة أن أكثر المتأثرين بسوء التغذية هم الأطفال وكبار السن، إذ تظهر عليهم بشكل واضح مظاهر الضعف العام، وعدم القدرة على مواصلة العمل أو الحركة، إلى جانب تأثّر عملية التنفّس.
وأضاف أن الأطفال باتوا يعانون من إسهال شديد أو إمساك حاد، بسبب تعطل عملية التمثيل الغذائي داخل الجسم، نتيجة فقدان الفيتامينات والبروتينات.
وبيّن أبو ناصر أن غالبية سكان قطاع غزة فقدوا من أوزانهم بشكل ملحوظ خلال العام الماضي، نتيجة فقدان الكتلة الدهنية، ثم العضلية، وهناك خشية من تأثير ذلك على الكتلة العظمية، ما يؤدي إلى تأثر الجسم بأقل الكدمات، ويزيد من احتمالية الكسور والآلام المستمرة.
وذكر أن الأطفال حتى سن الثانية عشرة يحتاجون إلى غذاء جسدي وعقلي، وكلاهما يعتمد على تنوّع غذائي مفقود في قطاع غزة، ما أدى إلى تراجع في بناء أجسامهم وتطوّرهم الفكري والعقلي السليم.
وأوضح أن عددًا كبيرًا من الأطفال أصبحوا إما منطوين جدًا أو شديدي العنف، نتيجة تأثير سوء التغذية وفقدان مكونات الهرم الغذائي على الجهاز العصبي، مما يؤثر بدوره على جميع الحواس.
وأضاف أن الاحتلال يتعمّد خلق بيئة موبوءة، وأجسامًا ضعيفة عاجزة عن المقاومة، من خلال منع 80% من التطعيمات، في إطار مخطط متعمّد لتدمير الأطفال في القطاع.
وأشار إلى أن سوء التغذية يؤدي إلى بطء في الحركة، وعدم اتزان في وظائف الغدد، لافتًا إلى أن عددًا كبيرًا من مرضى القلب أُصيبوا برفّة وزيادة في نسبة الأملاح بسبب قلة الماء، وفقدان الخضروات واللحوم، ونقص البروتين والأملاح المعدنية.
وحذّر من الاعتماد الكلي على المعلّبات التي تفتقر إلى القيمة الغذائية، كونها منتهية الصلاحية أو مخزّنة بطرق خاطئة وتحتوي على مواد حافظة، مما يؤثر سلبًا على الجسم في ظل ضعف المناعة والمقاومة، ويؤدي إلى الإصابة بالسرطان، والفشل الكلوي، وأمراض الكبد والطحال.
وأشار إلى أن تدمير البيئة الخضراء تسبب في تراكم كميات ضخمة من ثاني أكسيد الكربون والمواد المعدنية الثقيلة، نتيجة استخدام البارود بشكل مفرط في القطاع، ما أدى إلى تشبّع الأرض بهذه المواد وانبعاثها في الهواء. كما أن إشعال الحطب بطرق خاطئة، واستخدام "النايلون" والبلاستيك في الإشعال، يضاعف من تلوث الهواء وامتصاصه من قبل جسم الإنسان.
ومع دخول فصل الصيف، أشار أبو ناصر إلى أن الأمراض الجلدية ستزداد نتيجة تلامس الجسم مع الغازات الضارة، مما يؤدي إلى الإصابة بالجرب والالتهابات الجلدية.
وأكد أن الأمراض الصدرية زادت بشكل لافت، كما تضاعفت نسبة الانتكاسات، وأصبحت البخاخات التي تكفي المريض شهرا لا تكفيه إلا لثلاثة أيام، مما يفاقم التأثيرات السلبية على الدماغ والقلب، ويؤدي إلى تقصير عمر المريض وإصابته بالتليف الرئوي، مشيرًا إلى أن نسبة التليف الرئوي ارتفعت بشكل كبير في القطاع.
وأعرب عن خشيته من انتشار الكوليرا والملاريا نتيجة انتشار البعوض، إضافة إلى التهابات جلدية حادّة لا تتوفر لها علاجات، موضحًا أن الخيام المتلاصقة باتت بيئة خصبة لانتشار الجرب والجدري، بسبب غياب النظافة وشحّ المياه، إلى جانب انتشار المياه العادمة بين الخيام.
وحول نقص الأدوية، قال إن السلة الدوائية تفتقر إلى نحو 80% من الأصناف، مؤكدًا أن أدوية الأطفال هي الأكثر فقدانًا، خاصة ما يتعلق بأدوية السعال وخافضات الحرارة، والالتهابات الرئوية، ومسكنات الآلام، والتقرحات، والتهابات المسالك البولية المنتشرة بكثرة.
وأشار إلى أن القطاع دخل في أسوأ مراحله، وهي مرحلة ظهور الأمراض المتراكمة، فبعد أن كان الجسم يقاوم لأكثر من عام، فقد الآن القدرة على المقاومة، وبدأ ينهار ويؤثر على نفسه.
ومنذ 2 مارس/آذار الماضي، يواصل الاحتلال إغلاق معابر القطاع أمام دخول المساعدات الغذائية والإغاثية والطبية والبضائع، مما تسبب في تدهور كبير في الأوضاع الإنسانية، وفق ما أكدته تقارير حكومية وحقوقية ودولية.
ومن جانبها، حذّرت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، الجمعة الماضية، من اقتراب غزة من حالة "الجوع الشديد للغاية" جراء استمرار الحصار الإسرائيلي.
وقالت جولييت توما، مديرة الإعلام والتواصل في "أونروا"، في بيان، إن الرضع والأطفال في قطاع غزة ينامون جائعين في ظل اقتراب الإمدادات الأساسية من النفاد الكامل.